|
الأب بولس ثابت حبيب
خبرة اللقاء في
المسيح
ان الحياة المسيحية
هي في الدرجة الأولى حياة موسسة على اللقاء بالمسيح المخلص، حيث خبرة
اللقاء هذه هي الكفيل بتغيير الانسان وتوجهه في الحياة، حيث حياته كلها
تصطبغ بهذه الخبرة. ان الانجيل يقدم لنا امثلة هي بحد ذاتها نماذج
مسيحية حقيقية، هم اشخاص التقوا بالمسيح الذي غيَّر حياتهم باتجاه اخر.
المرأة التي كان لها نزف دائمي، قالت يكفي لي ان المس ثوبه فاشفى (مرقس
6: 28). اعمى بيت صيدا راى النور منذ لقائه بالمسيح ( مرقس 8: 22- 26).
أعمى برطيما (مرقس 10: 46-52). زكا العشار وحماة بطرس، قائد المئة
وامثلة كثيرة تعلمنا ان تباعة يسوع تبدأ من اللقاء به. اذن المسيحي هو
من يؤسس حياته على المسيح، اي ان حياته هي امتداد لحياة المسيح والا
لماذا يتصف بصفة مستنبطة من اسم المسيح ذاته؟. فهو كالعطر الذي ينبثق
من زهرة ما، على بحسب طبيعة الزهرة تكون رائحتها، فاذا كان المسيح
زهرتنا فنحن المسيحيون نكون عطرا يعبر عن هذه الزهرة بالذات، مار بولس
يقول : نحن رائحة المسيح (2 كورنتس 2: 15).
ان خبرة اللقاء
بالمسيح اذن هي خبرة اساسية لكل مسيحي في كل زمان ومكان، لا بل ضرورية
لتاسيس حياة مسيحية. ان المسيح القائم والذي بشر بقيامته للرسل من خلال
النسوة والملائكة قد اظهر ذاته للرسل داعياً إياهم الى عمل خبرة لقاء
حية واكيدة فهو يريهم جروحه وجنبه المطعون بالحربة لا بل يطلب منهم ان
يعطوه لياكل (لوقا 24: 36-49). يسوع يدعو توما الى ذات الشيء مطوبا من
يؤمن وان لم يرى ( يوحنا 20: 24- 29). ولكن من هذا لا نفهم بان يسوع
يقضي اية خبرة للقائه بل بالعكس فهو بهذا يُطوّب من يلتقي به ولكن حسب
طريقة اخرى تفوق ميدان الحس الطبيعي الاني، لقاء بالرب القائم من خلال
طريق اخر. ها هو القديس لوقا يصف لنا مشهدا رائعا للقائ بيسوع القائم .
من خلال خبرة الكنيسة التي تحتفل بربها القائم لوقا يقدم لنا خبرة
اولىك المسيحيين الذين تفصلهم اجيالا وسنين عن زمن يسوع التاريخي وهم
الان يلتقون به. لوقا من خلال ظهور يسوع للتلميذين العائدين الى القرية
في انجيل مرقس (مرقس 16: 12-13) يبدأ بروايته الفريدة مقدما فيها خبرة
هذا اللقاء بالمسيح. على طريق عماوس يسوع يترأى لاثنين من تلاميذه
ذاكرا اسم واحد فقط منهم وتاركا لنا بان يضع كل واحد منا اسمه مع
التلميذ الاخر الذي هو قليوفا برفقة يسوع القائم، من خلال شرح الكتاب
المقدس والنبوءات ومن خلال كسر الخبز يتعرف التلميذان على يسوع، اي من
خلال اللقاء به في الافخارستيا كل يوم احد، الكنيسة الاولى والتي لا
تزال تلتقي بربها القائم من بين الاموات. انها خبرة لا يمكن استبدالها
بشيء اخر: الكلمة وكسر الخبز. ان التلميذين بعد تعرفهما على يسوع صرحا
بان قلبهما كان يتقد عندما كان يشرح لهما فهما بوجههما راجعين. ان خبرة
الرجوع ليست فقط خبرة قطع مسافة مكانية بل هي التعبير عن هذا اللقاء
الذي يدفع بالمؤمن نحو عيش هذا اللقاء بواسطة اعلانه ومقاسمة الاخرين
هذا الفرح، انه يطبع الحياة كلها بطابعه (لوقا 24:13-35).
خبرة اخرى لمن التقى
بالمسيح القائم ولم يكن يعرفه في حياته الارضية. انه شاول الطرسوسي،
بولس الرسول. ان بولس الذي ظهر له المسيح قد عمل هذه الخبرة، وغيرته
الصادقة على الشريعة والبحث المخلص عنها قاداه الى ان يصطفيه الرب
كاناء مختار كي يحمل اسمه الى العالم. بولس في رسائله يدافع عن كونه
رسولا لانه قد التقى بالرب القائم، اي انه مستحق ان يكون امتدادا
للمسيح وشاهدا على كونه المخلص لانه قد اختبر اللقاء به( غلاطية 1:
11-17. 1كورنتس 9:1-2. اعمال 9).
ولكن من هو يسوع
المسيح؟
بالطبع ان اختبارا
كهذا يلزمه تحديد الشخص الذي معه تتحقق هكذا خبرة. من هو يسوع؟ إن هذا
لسوال يمكن الاجابة عليه ببداهة لأن كل مسيحي يستطيع ان ينطق به: إنه
المخلص وهو الرب، ولكنّ جواباً مثل هذا الاعلان الايماني ليس سهلاً لا
بل إنه خطير. شرح علاقة الالهي بالانساني، وهذا واضح من خلال نظرتنا
الى التاريخ والمحاولات التي اجتهدت وجاهدت من اجل اعلان الشرح الحقيقي
لهذه الشخصية.
ان يسوع المسيح ليس
فقط تلك الصورة العاطفية التي من خلالها نبحث عن الحلول النفسية
الدينية. كلا ان يسوع هو ابن الله المساوي له في الجوهر اي من ذات
طبيعة الاب. اله من اله ونور من نور( قانون الايمان). هو الذي بمحبته
وطاعته للآب افرغ ذاته اخذ صورة عبد كما يقول لنا النشيد في الرسالة
الى اهل فيلبي (فل 2:6-11). ان المتجسد كي يكون انسانا مثلنا ، اخذا
جسدنا من مريم العذراء امنا. جاء ليقاسمنا انسانيتنا بكل مظاهرها
وضعفها ما خلا الخطيئة ( عبرانيين 4: 15). قاسمنا بكل شيء وتضامن معنا
نحن الخطأة( عماذ يسوع هو هذا التضامن الحقيقي، فهو يذهب ليعتمذ كما
كان يفعل الخطأة ( متى 3) ). ان عماذ يسوع في نهر الاردن هو حدث اسس
الامكانية التي من خلالها يمكن كل من يؤمن به ان ينال الاعتراف البنوي
من الله، "هذا هو ابني الحبيب" هكذا صرح الآب من السماء اعترافا بان
يسوع هو ابنه، هذا اثبت لنا الامكانية ذاتها اي بان يعترف بنا كابناء
له .
ان افراغ الذات حباً
بالانسان يذهب بيسوع حتى الصليب راضيا بقبوله من اجل الطاعة لمشيئة
الاب الخلاصية، يسوع يرتل المزمور 40 الذي به يؤكد طاعته للاب، قادما
ليقرب ذاته قربانا للخلاص الابدي (عبرانيين 10: 5-10).
ان يسوع الذي مات من
أجل الرفض الذي جابه قد قام من بين الاموات، هذه القيامة التي كانت
جوابا من الله إزاء رفض الانسان لحبه، هذا الاعلان كان الكرازة الاولى
بالمسيحية: يسوع الناصري الذي صلبتموه قد اقامه الله ونحن شهود على
ذلك.... توبوا واعتمذوا ( اعمال 2). اذن ان يسوع المسيح هو ابن الله
المتجسد والذي صار انسانا، كونه الها هو في الابدية خارج محدودية
الزمان والمكان، وكونه قد تجسد فانه دخل التاريخ ومحدودية الزمان
والمكان، اختبر الحياة الانسانية ولكن ايضا قد اعطى معناً لهذه الحياة
مبرزا اياها على صورتها الحقيقية التي ارادها الله منذ البداية (
التكوين 1). ان انسانية يسوع التي اتحدت بلاهوته والتي بها عاش يسوع
واقع الانسان مظهراً ماهية الحياة الحقيقية، والتي بها ذاق الموت ايضا،
اقامه الله مكملا عمل خليقته.
ان اباء الكنيسة
يرون بان الخلقة قد اكتملت في احد القيامة، اليوم الوحيد والفريد،
معتبرين اياه يوما ثامنا( ان ايام الاسبوع هي سبعة وتتكر ولكن الاحد هو
يوم فريد لذلك اعتبروه يوما ثامنا اي لا يخضع لهذه الصيرورة والتكرار).
ان الخلاص قد تحقق حيث اخذ يسوع الانسانية مدخلا اياها في الحياة
الالهية، مدخلا اياه في بيت لم تصنعه ايادي بشر ( عبرانيين 9: 11- 14).
هكذا فتح الطريق امام الانسان ليعود الى بيت ابيه، الى الله ربه. هذا
ما نتأمله في معنى عيد الصعود الذي به يسوع يرجع الى الحضور في ابدية
الله مع انسانيته، ان الصلاة الطقسية لعيد الصعود حسب الطقس الكلداني
ترتل مندهشة مع الملائكة الذين اندهشوا متسائلين: من هو هذا الداخل الى
السماء ليجلس عن يمين الله الاب؟ من هو هذا الذي يأتي بجسد انساني
وتهابه كل الملائكة.( صلاة الليل لعيد الصعود- الحوذرا ج2 – ص 502). في
الحقيقة إن الانسان يستطيع ايضا بيسوع ان يعود ليكون صورة الله ومثاله
ويدخل الى النعيم الابدي حيث يمسح الله كل دمعة ويزيل الموت الى الابد
حيث لا حزن ولا صراخ، حيث كل شيء جديد. العيش في اورشليم السماوية
بحضرة الله ( سفر الرويا 21).
ان الخلاص اذن ليس
شئيا نفسيا لكنه واقع يشمل طبيعة الانسان بأكملها فيخلقها من جديد،
ويكرسها اياها لتنمو وتتقدم الى ان تكتمل في ذلك اليوم الذي به يُكمّل
الله كل شيء. ان هذا الخلاص يُلقي نقطة ارتكازه على يسوع المسيح الذي
يكمل ما نسميه بالتدبير الخلاصي، مجيئه وتجسده – حياته الارضية- موته
وقيامته وصعوده الى السماء- افاضة الروح القدس على التلاميذ – التبشير
بخلاصه وحياة الكنيسة في العالم الى يوم الاكتمال الذي به سوف يتدخل
الله بصورة نهائية ليحسم كل شيء.
يتبع ....
|