البطريركية الكلدانية... أصالة وعراقة... ومسيرة تتواصل (أنقر على الشعار لتراه مكبرا)

موقع "مار أدّي الرسول" خاص بالبطريركية الكلدانية وكل ما فيه خاضع لحقوق النشر     أفتتح في 8-7-2006     بوشر العمل به في 17-10-2006     عدد زوّاره search engine marketing

   الصفحة الرئيسية | الكنيسة الكلدانية | الصفحة الإخبارية | تراثنا المشرقي | أبحاث ودراسات | مقالات ومساهمات | وردنا منكم | مواقع صديقة | إدارة الموقع | للاتصال بنا   

موقع "مار أدّي الرسول" للبطريركية الكلدانية مقالات ومساهمات مقالات منوّعة           آخر تحديث للصفحة     23-01-2008     

للعودة إلى الصفحة السابقة

مقالات ومساهمات

مقالات منوّعة

رسالة البابا بيندكتس السادس عشر العامة

"بالرجاء خُلّصنا"

المطران شليمون وردوني

أصدر قداسة البابا، بندكتس السادس عشر، رسالته العامة الثانية حول الرجاء المسيحي، حملت عنوان "بالرجاء خُلّصنا"، ونشرها يوم الجمعة 30-11-2007 في عيد القديس أندراوس الرسول، في السنة الثالثة من حبريته، وهي موجهة لجميع الأساقفة والكهنة والشمامسة والأشخاص المكرسين والمؤمنين العلمانيين.

المقدمة

يستهل الأب الأقدس رسالته العامة هذه بكلمات الرسول بولس إلى أهل رومية: "لأننا بالرجاء نِلنا الخلاص" (روم 8: 24). ويقول قداسته في مقدمة رسالته بأن الإنجيل يغير الحياة والذي يملك الرجاء يعيش بطريقة مختلفة. إن الخلاص حسب الإيمان المسيحي ليس حدثاً واقعياً بسيطاً لكنه قُدّم لنا، بمعنى أنه أُعطى لنا الرجاء، وبواسطته يمكننا أن نواجه حياتنا الحاضرة.

الإيمان هو الرجاء

إن الكتاب المقدس، يقول قداسته، فيه الكثير حول الرجاء. فكلمة "رجاء" كلمة مركزية للإيمان الكتابي، إلى حد أنها متداخلة مع كلمة "إيمان" في مقاطع كثيرة من الكتاب المقدس، فالرجاء متساوٍ للإيمان (1بطر 3: 15؛ عبر 10: 22-23)، ومار بولس يُذكّر أهل أفسس بأنهم كانوا بلا رجاء بدون الله في العالم قبل أن يلتقوا بالمسيح (أف 2-12)، فعندما نصل إلى معرفة الله، الإله الحق، نحصل على الرجاء.

القديسة جوزفين

كما ذكر البابا بندكتس السادس عشر في رسالته القديسة جوزفين باخيتا الأفريقية، التي ولدت نحو عام 1869 في دارفور بالسودان. وفي سن التاسعة اختطفها تجار الرقيق، وبعد تجارب فظيعة وصلت إلى ايطاليا حيث تعرفت على "الرجاء الكبير"، على الإله الحي، يسوع المسيح، الذي هو نفسه ضُرب لأجلها وهو ينتظرها ويحبها، فلم تعد تشعر بأنها مستعبدة، بل حرة ابنة الله. هكذا فهمت جيداً ما معنى قول مار بولس لأهل أفسس الذين كانوا سابقاً بلا رجاء بدون الله في العالم.

يسوع يحمل الله للعالم

ويُشير قداسة البابا بأن المسيحية لم تحمل رسالة اجتماعية، ثورية، صحفية، شكلية. لأن يسوع حمل إلى العالم شيئاً مختلفاً تماماً وهو اللقاء مع الرب، مع الإله الحي، واللقاء بالتالي مع الرجاء الذي هو أقوى من آلام العبودية، وهو يغيّر من الداخل الحياة والعالم.

ثم يتكلم قداسته عن الرجاء المبني على الإيمان في العهد الجديد وفي الكنيسة الأولى، فيؤكد على أننا نلتقي الله بيسوع المسيح، إذ به أظهر لنا وجهه، وبه فتح قلبه كي يغير حياتنا ويُشعرنا بأننا مخلصون بواسطة الرجاء الذي يعبّر عنه هو. وحتى يتحقق ذلك، يجب أن نرجع إلى الكنيسة الأولى حيث عُذّب الكثير من المسيحيين وضُربوا وأُدينوا للعبودية في فترة المسيحية الأولى (وإلى يومنا هذا).

المسيح يحررنا

يجعلنا المسيح أحراراً حقا، فهو يخبرنا من هو الإنسان بالحقيقة وما يجب أن يفعله ليكون إنساناً حقيقياً بكل معنى الكلمة. إنه حقاً "الفيلسوف" و"الراعي" الذي يرشدنا إلى الحياة. هذا هو الرجاء المسيحي الذي سمح لمسيحيين كثيرين في مختلف العصور أن يواجهوا الاضطهاد. وأضاف قداسته قائلاً: "قد يرفض اليوم عدد كبير من الأشخاص الإيمان ببساطة، لأنهم متعلقون في هذه الحياة، ولأن الحياة الأبدية لا تبدو بنظرهم أمراً مرغوباً فيه لا يريدون الحياة الأبدية بل الحياة الحاضرة، ويبدو هكذا الإيمان بالحياة الآتية عائقاً لا غير".

أزمة الإيمان

يتابع قداسة البابا متحدثاً عن أزمة الإيمان والرجاء الذي يصبح "إيماناً في التطور" المرتكز على العقل والحرية. وينتقل بعده ليتحدث عن خطأ ماركس الأساسي الذي نسي الإنسان وحريته. خطأه الأساسي هو المادية. فيضيف قداسته في هذا الصدد بأنه من غير الممكن شفاء الإنسان من الخارج فقط بتوفير الأوضاع الاقتصادية الملائمة. فالإنسان بحاجة إلى الله وإلا بقي محروماً من الرجاء. لذا فالخلاص لا يأتي من العلم، ويذكر كلمات القديس بولس إلى أهل غلاطية إذ يقول: "وإذا كنت أحيا الآن حياة بشرية، فإني أحياها في الإيمان بابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه من أجلي" (غل2: 20).

الآباء

عن هذا الرجاء يتكلم الآباء القديسون، كالقديس امبروسيوس والقديس أوغسطينوس. هذا الرجاء يتحقق عندما نغوص في بحر المحبة اللامتناهي حيث لا يوجد فيه زمن بعد، أي ما قبل وما بعد، هنا يمكننا أن نفتكر فقط أنّ هذه اللحظة هي الحياة بالمعنى الكامل، هنا الفرح الحقيقي كما يقول يسوع في إنجيل يوحنا: "سأراكم من جديد وسيفرح قلبكم ولا أحد يستطيع أن ينزع منكم فرحكم هذا" (16: 22).

الرجاء الجماعي

الرجاء المسيحي، يؤكد البابا، ليس شخصيًا (فردياً)، لكنه جماعيّ كما يؤكد هنري دي لوباك في كتابه "التعليم الكاثوليكي"، وكما نقرأ في الرسالة إلى العبرانيين (11: 10-16؛ 22: 22؛ 13: 14). فالخطيئة عند الآباء هي هدم وحدة الجنس البشري، إنها تقسيم وتجزئة. ويشبّه ذلك ببابل التي هي مكان بلبلة اللغات وسبب الانقسام ودلالة على ماهية الخطيئة في الأصل. هكذا يظهر الخلاص كإعادة وتوطيد الوحدة وهذا يفترض الخروج من "أناي"، لأنه في الانفتاح الشخصي الشامل يتفتح الشخص إلى ينبوع الفرح، إلى المحبة نفسها، إلى الله.

المحبة علامة حقيقية للرجاء المسيحي

لا يمكن للإنسان أن يُخلّص فقط في الظاهر، ولا يمكن أن يُخلَّص فقط من العلم فالرجاء المتعلق به فقط كاذب. العلم يساعد كثيراً لأنسنة العالم والبشرية، لكن يمكنه أن يهدم الإنسان والعالم أيضاً إذا ما لم يوجّه من القوى الخارجة عنه.

الإنسان يُخلص بواسطة المحبة وليس بالعلم. عندما يختبر الإنسان، في مرحلة ما من حياته، محبة كبيرة، هذه هي لحظة "الخلاص"، وهذا ما يعطي معناً جدياً للحياة. هذه المحبة لوحدها لا تحل مشكلة حياته، لكونها تبقى دائماً هشة "ضعيفة" ولأن الموت يدمرها. الإنسان بحاجة إلى محبة غير مشروطة. إنه بحاجة إلى اليقين الذي به يمكن أن يقول مع مار بولس: "لا موت ولا حياة، لا ملائكة ولا رئاسات، لا الحاضر ولا المستقبل... يمكن أن يفصلني عن محبة الله التي بيسوع المسيح سيدنا " (روم8: 38-39).

الله

بهذا المعنى، صحيحٌ بأن نقول: إن من لا يعرف الله، وإن كانت له آمال كثيرة، يبقى بلا رجاء؛ بدون الرجاء العظيم الذي يسند حياته (أف 2: 12)، في نهاية الأمر. إن الرجاء العظيم الحقيقي للإنسان والذي يبقى قائماً بالرغم من كل الخدع العالمية هو الله فقط، الله الذي أحبنا ولا يزال يحبنا الآن (يو 13:1 وَ 19).

العلاقة مع الله

هذه العلاقة تتحقق من خلال المشاركة مع يسوع (1يتم 2: 6) التي تشملنا في كياننا "للجميع" وهذا يربطنا مع الغير، والمشاركة معه فقط تُمكّننا أن نكون حقاً للآخر، لأجل الكل... محبة الله تتطلب الحرية الداخلية بالنسبة إلى الأشياء المادية والمُلكية والملكية الخاصة... إن محبة الله تظهر في المسؤولية من أجل الآخر. "المسيح مات من أجل الجميع، كيما الذين يحبون لا يعيشون لأنفسهم بل للذي مات وقام لأجلهم" (2كور 5: 15).

أين نتعلم الرجاء

يتابع قداسة البابا في هذه الرسالة مشيراً إلى أماكن فيها نتعلم الرجاء وفي مقدمتها لنا:

أ-الصلاة: يقول قداسته "إن لم يُصغِ إليّ أحدٌ فان الله يُصغي إلينا على الدوام، إذا لا أستطيع أن أتكلم مع أحدٍ ولا أن أدعو أحداً يمكنني أن أتكلم مع الله". ويذكر بهذا الصدد خُبرة الكردينال الفييتنامي الراحل، فان توان، الذي سُجن ثلاثة عشر عاماً، من بينها تسعة أعوام في سجن انفرادي وكان الكلام مع الله بالنسبة إليه قوة رجاء كبيرة وترك كُتيّبا بعنوان "صلوات الرجاء"، فأصبح شاهد الرجاء للبشر في كل العالم. فالصلاة هي مدرسة الرجاء لأن الإنسان فيها يستطيع أن يتكلم مع الله باستمرار وأن يدعوَه دائماً وهو يساعده إذا لا يوجد أحد يمكن أن يساعده. الذي يُصلي ليس وحده وان كان في العزلة بشرياً. وعندما نصبح أبناء الله حينئذ فقط يمكننا المكوث مع أبينا المشترك. إن الطريقة الصحيحة للصلاة الحقيقية لا تعني أن نخرج من التاريخ وأن ننعزل في زاوية شخصية لفرحنا الخاص. إن الطريق الصحيح للصلاة هو التقدم في التطهير الداخلي الذي يجعلنا قادرين وآهلين لله وفعلاً هكذا قادرين لخدمة الغير وقبولهِ. في الصلاة نتعلم ماذا نطلب من الله، نطلب ما هو لائق بالله.

ب- العمل والتألم: إننا نتعلم الرجاء في العمل والتألم. كل عمل جدّي ومستقيم للإنسان هو رجاء آمالنا الصغيرة والكبيرة والتي هي مهمة لحياتنا. وبهذا نساعد العالم كيما يُصبح أكثر إنسانياً ووضّاءاً ولكي تنفتح الأبواب نحو المستقبل. هكذا الألم أيضاً هو من مكوّنات الوجود البشري. انّه متأت، من ناحية، من رقّتنا، ومن الناحية الأخرى، من عظمة الخطيئة التي تجمّعت عبر التاريخ ولا تزال تنمو في الوقت الحاضر بشكل غير قابل التوقف. بالطبع لابد من بذل المستطاع للتخفيف عن الألم، ولكن ليس التخفيف منه لأن ذلك لا يشفي الإنسان، بل يجب العمل على تقوية الإنسان لكي يقبل المحن ويجد لها المعنى من خلال وحدته مع المسيح الذي تألم بمحبة لا متناهية. ثم العمل على منع، بقدر الإمكان، ألم ألأبرياء، تهدئة الآلام، المساعدة على تخطّي الآلام الجسدية. كما ذكر الأب الأقدس شاهداً آخر على الرجاء وهو الشهيد الفييتنامي باولو لي باوتين الذي مات عام 1857 وفي رسالة له يُظهر بوضوح تحوّل الألم بقوة الرجاء المتأتي من الإيمان. هكذا يقول: "آنا باولو، سجين لأجل اسم المسيح، أريد أن تعرفوا الشدائد التي أنا غائص فيها يومياً، ولأننا ملتهبون من المحبة الإلهية، ارفعوا معي مدائحكم لله: أبدية هي رحمته (مز136) التألم مع الآخر، لأجل الآخر، التألم من أجل الحقيقة والعدل، التألم بسبب المحبة لكي يُصبح الإنسان شخصاً يُحب حقاً. هذه هي الأركان البشرية الأساسية وإذا ما تُركوا فسوف يدمِّر الإنسان نفسه.

ج_ الدينونة مكان تعلم الرجاء: ومن بين أماكن تعلم الرجاء توجد دينونة الله. ويذكر البابا بأن رجاءنا هو رجاء للآخرين ايضاً، وكمسيحيين لا نستطيع القول: ما العمل لنُخلِّص أنفسنا؟ بل علينا أن نقول: ما الذي يمكنني فعله كي يخلص الآخرون ايضاً؟ في ختام النؤمن هكذا نقول: "وسيأتي ليدين الأحياء والأموات" إن مشهد الدينونة الأخيرة أثّرت كثيراً، ومنذ الأزمنة الأولى للمسيحية، على حياة المسيحيين اليومية كمحرك (كمقياس) يُنظِّمون حسبهُ حياتهم الحاضرة، وكدعوة لضميرهم وفي الوقت عينه كرجاء وثقةٍ في عدل الله. والإيمان بيسوع المسيح ينظر دوماً إلى الأمام نحو ساعة الدينونة والتي كان قد كررّها الرب مراراً. وهذا النظر إلى الأمام أعطى للمسيحية أهميةَ الوقت الحاضر.

صورة الدينونة الأخيرة هي صورة الرجاء

إن الاحتجاج، تؤكد الرسالة، ضد الله باسم العدالة لا ينفع (يخدم) شيئاً. ان عالماً بدون الله هو عالم بلا رجاء(أفس 2: 12). الله وحده يمكنه أن يخلق العدل. والإيمان يؤكد لنا: إنه (الله) يعمل ذلك. إن صورة الدينونة الأخيرة ليست في المكان الأول مرعبة، لكنها صورة الرجاء؛ ومن الممكن انها لنا،  صورة الرجاء على الإطلاق. إنها صورة تدعو إلى المسؤولية. إنّها صورة مخيفة، ولكن ذلك الخوف الذي يقول عنه القديس إلاريو بأن كل خوف لنا يجد موضعه في المحبة. الله هو العدالة ويخلق العدالة وهذه هي تعزيتنا ورجاؤنا.

البشر في العالم

في عالم اليوم، يقول قداسته، الموت يحدد اختيار الإنسان الذي عاشه في هذه الحياة المملوءة من الأشرار والصالحين، الأولون دمّروا كل إمكانية للانفتاح نحو الخير، نحو المحبة، وكل شيء أصبح كذباً وبهتاناً في حياتهم وهذا يعني الجحيم بالذات، ولكن هناك أشخاص طاهرون يختبرهم الله بمحبته وهم منفتحون تماماً إلى القريب... ويوجهون كيانهم نحو الله منذ الآن وهذا هو الفردوس.

المطهر

وبين هذا وذاك يوجد ما يُدعى بالمطهر لأن هناك أشخاص لم يتطهروا بعد بالكامل وهنا تحترق تلك السيئات الباقية من الحياة، ولا يُعرف وقت هذا الاحتراق، وهذه هي فترة "العبور" نحو المشاركة مع الله في جسد المسيح. إن حكم الله هو رجاء لأنه عدالة وهو نعمة.

مريم نجمة الرجاء

وفي ختام هذه الرسالة "بالرجاء خُلّصنا"، يتوجه البابا بندكتس السادس عشر إلى العذراء مريم "نجمة الرجاء". الكنيسة تسلّم على العذراء أم الله، منذ أكثر من ألف سنة، بنجمة البحر. والحياة هي كسفرة في بحر التاريخ، وفي هذه الحياة هناك صعوبات وآلام... ولكن النجوم الحقيقية لحياتنا هم أولئك الأشخاص الذين عرفوا أن يعيشوا بالاستقامة وهم أنوار الرجاء. يسوع هو النجمة العظمى والنجمة الأرفع ولكي نصل إليها نحن بحاجة إلى نجمة أقرب إلينا وهي العذراء مريم إذ فيها تجسَّدَ الله. هكذا كانت بين التلاميذ كأمهم أم الرجاء.

يا مريم يا والدة الله، أمنا، علمينا أن نؤمن. نرجو ونحب معك!. أرشدينا إلى الطريق نحو ملكوته يا نجمة البحر أضيئي علينا ورافقينا في مسيرتنا!

23-1-2008

لنشر مساهماتكم، اتصلوا بنا... ونحن على نرحب بكم دوما.

موقع "مار أدّي الرسول" للبطريركية الكلدانية مقالات ومساهمات مقالات منوّعة           آخر تحديث للصفحة     23-01-2008