|
الأصوام في كنيسة المشرق
الشماس نوري إيشوع مندو
إن من يطالع الكتاب المقدس، بعهديه القديم والجديد، يجد أن الصوم
كان جارياً في جميع مراحل مسيرة البشر الخلاصية عبر الأجيال.
فالباحث في الكتاب المقدس يستقي من تعاليمه بأن الصوم عمل مُرضٍ
لله ومدعاة لخيرات عظيمة لبنى البشر. فهو ممارسة تقوية الغاية منها
التوبة ونيل الغفران من الله، وهو دعوة للمؤمن للرجوع عن الخطايا
والآثام، لكي ينتقل من الشر إلى الخير، ومن الموت إلى وفرة الحياة.
ويعتبر التقليد الكتابي الصوم السلاح الذي به يقاوم المؤمن
أعداءه: العالم والجسد والشيطان.
ومنذ نشأة الكنيسة الأولى، كان للصوم نفس المكانة هذه. فنرى فترات
من الصوم في مختلف التقاليد والطقوس الخاصة بالكنائس العديدة التي
نشأت. ومن بين الكنائس الأولى والأصيلة التي اعتمدت الصوم واهتمت
به في صلاتها ومسيرتها الروحية، كنيستنا المشرقية، الكلدانية
والآثورية. فجعلت للصوم أزمنة مهمة. فزمن الصوم في فكرنا المشرقي،
أسوة بباقي المدارس اللاهوية والروحية، هو فرصة للعودة إلى الذات
وإلى الآخر، أي إلى الله والانسان.
وسنتوقف في دراستنا هذه عند ثلاث محطات هامة، نسلط فيها الضوء على
معاني الصوم في العهدين القديم والجديد، لننتقل بعدها إلى الصوم في
التقليد المشرقي لاهوتيا وروحيا، وأخيرا سنناقش ممارسة الصوم في
يومنا هذا.
الصوم في العهد القديم
من خلال مراجعتنا أسفار العهد القديم نستطيع أن نتوقف عند محطات
هامة تحدثنا عن الصوم في هذه المرحلة من تاريخ شعب الله. فقد صام
النبي موسى(1) في جبل سيناء(2):
"وأقام هناك عند الرب أربعين يوماً وأربعين ليلة، لم يأكل خبزاً
ولم يشرب ماءً فكتب على اللوحين كلام العهد، الكلمات العشر" (خروج
34: 28). كما صام بنو إسرائيل في المصفاة(3)
من دان(4) إلى بئر سبع(5)
وأرض جلعاد(6): "فصعد
بنو إسرائيل، الشعب كله، وأتوا بيت إيل وبكوا وأقاموا هناك أمام
الرب وصاموا ذلك اليوم إلى المساء وأصعدوا محرقات وذبائح سلامةٍ
للرب" (قض 26: 20 ). أيضا، يذكر الكتاب المقدس أن أهل يابيش جلعاد(7)
صاموا بعد مقتل شاؤل(8)
وابنه يوناثان(9) وبعد
أن سقط شعب الرب لأنهم سقطوا في الحرب وأخذوا عظامهم ودفنوها تحت
الأثلة التي في يابيش وصاموا سبعة أيام (الملوك الأول 31:13). أما
إيزابيل زوجة آحاب(10)
ملك السامرة(11) فقد
أمرت الشيوخ والأشراف للصوم: "فنادوا بصومٍ وأجلسوا نابوت(12)
فى صدر القوم... وأرسلوا إلى إيزابيل يقولون قد رجم ومات" (الملوك
الثالث 21: 12-14)، ولما علم آحاب أنه فعل شراً فى عيني الرب لأن
إيزابيل امرأته قد أغوته: "مزق ثيابه وجعل على بدنه مسحاً وصام
وبات في المسح ومشى ناكساً" (الملوك الثالث27:21).
وصام إيليا(13)
النبي بعد أن دعاه الملاك للذهاب إلى طور حوريب(14)
لملاقاة الرب: "فقام وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين يومأ
وأربعين ليلة إلى جبل الله حوريب" (الملوك الثالث 8:19). وفي زمن
إرميا النبي(15)
نوديَ بصوم: "وكان في السنة الخامسة ليوياقيم بن يوشيا(16)
ملك يهوذا في الشهر التاسع قد نودي بصوم أمام الرب لشعب أورشليم
وكل الشعب الآتين من مدن يهوذا إلى أورشليم" (إرميا 9:36). وجاء
في نبوة باروك(17)
عندما أخذ الكلدانيون أورشليم وأحرقوها بالنار، تلا باروك الكتاب
على مسامع جميع الشعب الساكنين في بابل على نهر سُودٍ: "فبكوا
وصاموا وصلوا أمام الرب" (باروك 5:1). كما يتحدث النبي دانيال(18)
عن صومه بالقول: "فجعلت وجهي إلى السيد الإله لممارسة الصلاة
والتضرعات بالصوم والمسح والرماد". (دانيال 3:9).
ويتحدث النبي نحميا(19)
عن صومه عندما علم أن من بقي في أورشليم بعد الجلاء يعيشون بضيق
شديد: "فلما سمعت هذا الكلام مكثت أبكي وأنوح أياماً وصمت وصليت
أمام إله السماوات" (نحميا 4:1). أما يهوديت(20)
فقد روي عن صومها: "وكان على حقويها مسح وكانت تصوم جميع أيام
حياتها ما خلا السبوت ورؤوس الشهور وأعياد آل إسرائيل". (يهوديت
6:8). والنبي زكريا(21)
ينقل إلى الشعب دعوة الرب للصوم: "هكذا قال رب الجنود إن صوم الشهر
الرابع وصوم الخامس وصوم السابع وصوم العاشر سيكون لآل يهوذا
سروراً وفرحاً وأعياداً طيبة". (زكريا18:8). ودعا عزرا الكاهن(22)
اليهود المسبيين للصوم: "فناديت بصوم هناك عند نهر أهوى لنتذلل
أمام إلهنا مبتغين منه طريقأ مستقيمأ لنا ولصغارنا ولجميع
أموالنا... فصمنا ودعونا إلى إلهنا لأجل ذلك فأستجابنا" (عزرا 8:
21-23). أما النبي يوئيل(23)
فيُبلِّغ شعب إسرائيل دعوة الرب لهم للصوم: " قدِّسوا الصوم نادوا
باحتفال اجمعوا الشيوخ وجميع سكان الأرض إلى بيت الرب"
(يوئيل14:1). ويؤكد عليهم النبي يوئيل ذلك بالقول: "فالآن يقول
الرب توبوا إليَّ بكل قلوبكم وبالصوم والبكاء والانتحاب... فالرب
رؤوف رحيم طويل الأناة وكثير الرحمة ونادم على الشر" (يوئيل 2:
12-13).
ونجد في سفر يونان النبي(24)
كيف قبل الرب توبة أهل نينوى من خلال الصوم: "وآمن أهل نينوى بالله
ونادوا بصوم ولبسوا مسوحاً من كبيرهم إلى صغيرهم". (يونان 5:3 ).
وأمر يهوذا(25)
الشعب للصوم عندما بلغه أن أنطيوكس(26)
قادم إلى اليهودية بجيش كثيف "ففعلوا كلهم وتضرعوا إلى الرب الرحيم
بالبكاء والصوم والسجود مدة ثلاثة أيام بلا انقطاع" (مكابيين ثاني
13: 12). وخاطب الملاك رافائيل(27)
البار طوبيا(28)
قائلاً: "صالحة الصلاة مع الصوم والصدقة خير من ادخار كنوز الذهب"
(طوبيا 12: 8). وكان النبي داود(29)
مثابراً على الصوم، وذلك واضح من خلال مزاميره "وأنا عند مرضهم كان
لباسي مسحاً وكنت أعني نفسي بالصوم وكانت صلاتي ترجع إلى حضني"
(مزمور 34-13)، "أبكيت بالصوم نفسي فصار ذلك عاراً عليَّ"
(مزمور68-11). "وهنت ركبتاي من الصوم وهزل جسدي عن السمن" (مزمور
108-24).
هذه الشهادات التي استقيناها من العهد القديم، تؤكد لنا بشكل قاطع
أن الصوم الذي مارسه شعب الله عبر تاريخه القديم، قد جَنَّبه غضب
الله وغضب الشعوب.
الصوم في العهد الجديد
من خلال مراجعتنا العهد الجديد نتوقف عند محطات هامة تحدثنا عن
الصوم في هذه المرحلة من تاريخ شعب الله. فإنجيل لوقا يحدثنا عن
صوم حنة النبية(30):
"وكانت حنة النبية ابنة فنوئيل من سبط أشير قد تقدمت في الأيام...
ومكثت أرملة نحو أربع وثمانين سنة لا تفارق الهيكل متعبدة بالأصوام
والصلوات ليلاً نهار" (لوقا 2: 36-37). ويحدثنا إنجيل متى عن صوم
الرب يسوع: "حينئذ أُخرج يسوع إلى البرية من الروح ليجرب من إبليس.
فصام اربعين يوماً واربعين ليلةً وأخيراً جاع" (متى 4: 1-2).
ويحدثنا إنجيل لوقا عن سؤال الفريسيين(31)
ليسوع عن سبب صوم تلاميذ يوحنا المعمدان(32)
وعدم صوم تلاميذه: "لماذا تلاميذ يوحنا يصومون كثيراً ويواظبون على
الصلاة... وتلاميذك يأكلون ويشربون" فقال لهم يسوع: "ستأتي أيام
يرتفع فيها العروس عنهم وحينئذ يصومون في تلك الأيام" (لوقا 5:
33-35). ويحدثنا إنجيل لوقا عن الفريسي الذي كان واقفاً في الهيكل
يصلي: "أللهم أشكرك... فإني أصوم في الاسبوع مرتين وأُعشِّر كل ما
هو لي".(لوقا 18: 11-12).
ويعلمنا المخلص يسوع كيفية الصوم لنيل الأجر العظيم فيقول: "وإذا
صمتم فلا تكونوا معبسين كالمرآءين فإنهم ينكِّرون وجوههم ليظهروا
للناس صائمين. الحقَّ أقول لكم إنهم قد أخذوا أجرهم . أما أنت فإذا
صمت فادهن رأسك واغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائماً بل لابيك الذي
في الخفية وأبوك الذي ينظر في الخفية هو يجازيك" (متى 6: 16-18).
ويعلمنا يسوع ايضاً أن الصوم المقرون بالصلاة يمنحنا قوة عظيمة على
طرد الشيطان والأرواح الشريرة فيقول: "وهذا الجنس لا يخرج إلا
بالصوم والصلاة" (متى 17- 20).
ويحدثنا سفر أعمال الرسل عن الرسل القديسين: "بينما هم يخدمون للرب
ويصومون" (أعمال الرسل13: 2). وقد استعد الرسل للتبشير بالانجيل
بالصوم: "قال لهم الروح القدس: افرزوا لي شاول وبرنابا للعمل الذي
دعوتهما إليه. فصاموا حينئذٍ وصلّوا ووضعوا أيديهم عليهما
وصرفوهما". ويحدثنا الرسول بولس(33)
عن أصوامه قائلا: "وفي التعب والكد والأسهار الكثيرة والجوع والعطش
والأصوام الكثيرة والبرد والعري" (كور الثانية 11: 27).
الصوم في الكنيسة الأولى وعند الرهبان الأوائل
فإذا ما طالعنا تاريخ مسيحيي الكنيسة الأولى سير الرهبان منذ زمن
إنشاء الحياة الرهبانية، نجد كيف كانوا يكثرون من الصوم والصلاة،
لكي يرتقوا إلى كمال الحياة المسيحية. وهكذا حذا حذوهم آباء
الكنيسة القديسين الذين استعملوا سلاح الصوم والصلاة للتغلب على
المصاعب التي كانت تواجههم في رسالتهم التبشيرية.
الأصوام في كنيسة المشرق الكلدانية
اهتمت كنيسة المشرق منذ بداية قبولها البشارة بهذه الفريضة
المقدسة، وهذا واضح من خلال الطقوس التي وضعها آباؤها القديسون،
وتركوها لنا إرثاً ثميناً نجد فيه تلك النفائس التي أنتجتها
قريحتهم المشرقية، وقد بذلوا قصارى جهدهم في إثارة افعال التوبة
وتجديد روح الايمان وإنشاء أسس الرجاء في نفوس مؤمنيها.
وسوف نستعرض الأصوام التي كانت متبعة في هذه الكنيسة، وحسب موقعها
في الدورة الطقسية:
1- صوم الميلاد:
كان صوم الميلاد في كنيسة المشرق الكلدانية يستمر خمسة وعشرين
يوماً قبل حلول العيد. وفي العصور المتأخرة قُلِّص الصوم الى تسعة
أيام وفيما بعد الى خمسة أيام، وحالياً تفرض الكنيسة الصوم ليوم
واحد. وجاء في قرارات المؤتمر البطريركي العام للكنيسة الكلدانية
سنة 1998 حول صوم الميلاد "يجب على المؤمنين الانقطاع عن أكل اللحم
ليلة الميلاد أي يوم 24 كانون الاول، وإذا صادف هذا اليوم يوم أحد،
فيعوض باليوم السابق. ولا يجوز الاحتفال بالزواج عشية الميلاد".
أما المؤمنون حتى يومنا هذا فمنهم لا يزال يصوم 25 يوماً، ومنهم 9
أيام، ومنهم يوماً واحداً. وتتضمن صلوات الفرض في هذه الفترة طابع
الفرح والانشراح إستعداداً لاستقبال عيد الميلاد المخلص.
2- صوم باعوثة(34)
مار زعيا(35)( مار
زيا):
يبدأ هذا الصوم يوم الاثنين الذي يلي الاحد الثاني من الميلاد،
ويستمر هذا الصوم مدة ثلاث أيام. وقد وضع هذا الصوم إكراماً للقديس
زيعا وذكرى للباعوثة التي أقامها ثلاثة أيام بالصوم والصلاة، فنجا
الشعب بصلواته من وباءٍ كان قد تفشى في شمال بلاد آثور ففتك
بسكانها. وكان أبناء كنيسة المشرق يتوجهون في فترة هذا الصوم من
جبال هكاري(36)
واذربيجان(37) وشمال
العراق إلى القرية المعروفة باسم هذا القديس في مقاطعة جيلو(38)،
ويختمون صومهم هناك باحتفالات شائقة يقيمونها لذكرى هذا القديس
الجليل. وفي العصور المتأخرة ترك المشارقة الكلدان هذا الصوم، وبقي
محصوراً عند المشارقة الآشوريين.
3- صوم باعوثة العذارى(البتولات):
يبدأ هذا الصوم يوم الاثنين الأول الذي يلي عيد الدنح، ويستمر
ثلاثة أيام. وقد اختلف المؤرخون في زمن ومكان ظهور هذا الصوم.
فهناك من يقول إنه في الجيل السابع بلغ مسامع عبد الملك بن مروان(39)
أن في الحيرة(40)
فتيات جميلات، فأرسل على هناك من يختار له الجميلات من البالغات
ويحضرهن إليه. وعندما سمع المسيحيون بهذا الخبر اجتمعوا في
الكنيسة، وصاموا وصلوا مبتهلين إلى الله كي يزيل عنهم هذا الغضب،
وفي اليوم الثالث بلغهم موت عبد الملك. ومنذ ذاك اليوم أخذ
المؤمنون يصومون هذا الصوم كل سنة.
وهناك من يقول أن كسرى أبرويز(41)
طلب من النعمان الثالث(42)
ملك الحيرة أن يرسل له عشرين من بنات عمه ليزوجهن على أبنائه،
وعندما وصل رسول كسرى عند النعمان وعرض عليه طلب سيده كسرى، رفض
النعمان هذا الطلب. ولما بلغ هذا الرفض مسامع كسرى غضب من النعمان
وانتقم منه بعد زمان، إذ قيّده وأرسله إلى خانقين. وهناك توفي
بالطاعون وذلك سنة 613، فحزن العرب على النعمان وجاهروا ببغضهم
للفرس.
وهناك من يقول أن ملك الحيرة قبل الإسلام اختار من نساء قبيلة
العباديين
(43)
عدداً منهن ليتّخذهن زوجات له، وما أن سمعنَ بهذا الخبر حتى صُمنَ
ثلاثة أيام متواصلة، وفي اليوم الثالث مات الملك ولم يمسهن.
وهناك رأي يقول أن هذا الصوم كان موجوداً في كنيسة المشرق منذ
الجيل الخامس. وفي العصور المتأخرة ترك المشارقة الكلدان هذا
الصوم، وبقي محصوراً عند المشارقة الآشوريين.
4- صوم باعوثة نينوى:
يبدأ هذا الصوم يوم الاثنين الثالث السابق للصوم الكبير، أي قبل 20
يوماً من بدء الصوم الكبير، ويستمر ثلاثة أيام، ولهذا الصوم شأن
عظيم عند المشارقة، وفيه تغص الكنائس بالمؤمنين الذين يتقاطرون
إليها من كل حدب وصوب لإقامة الفرائض الدينية والرتب المختصة بهذه
الأيام تكفيراً عما اقترفوه من الذنوب. وتستغرق تلك الصلوات معظم
النهار وقسماً معتبراً من الليل. وفي يومنا هذا تدوم الصلاة من
الصباح حتى الظهر وتنتهي بإقامة الذبيحة الالهية، وتتكون هذه
الصلاة من جلستي صلاة تتخللها تلاوة مزامير، وأبيات من الشعر
الكنسي"عونياثا" ومناداة "كارزوثا" وميامر "أشعار"، مأخوذة من
أشعار مار أفرام النصيبيني
(44) ومار نرساي
الملفان(45).وحتى
يومنا هذا نجد الكثيرين يصومون هذا الصوم إمّا منذ المساء وحتى
مساء اليوم التالي ولمدة ثلاثة أيام، أو من مساء الأحد وحتى مساء
الأربعاء، لا يتناولون ولايشربون فيه شيئاً.
ومن الأسباب الداعية الى تنظيم هذه الباعوثة، هي إحياء ذكرى توبة
أجدادنا في نينوى على يد النبي يونان. ولهذا وضع اباؤنا اسم نينوى
على هذه الباعوثة، لانها نشأت لأول مرة في تلك البقاع. إلا أن كتبة
كنيسة المشرق يرون في اصل الباعوثة عللاً اخرى منها قول الجاثليق
يوحنا بن ايشوع(46)(900-905)
أنه في سالف الزمان حدث في بلاد باجرمي(47)
موت جارف حصد الكثير من الناس، وكان أُسقف تلك البلاد هو مار
سبريشوع. فجمع رعيته ودعاهم لإقامة الباعوثة فلبوا دعوته، فصام
الجميع حتى الأطفال والأغنام ولبسوا جميعاً المسوح، فدفع الله عنهم
ذلك الغضب. ولما علم الجاثليق حزقيال
(48) (570-581)
بالأمر كتب إلى جميع المراكز التابعة لجاثليقية المشرق ليصوموا
ويصلوا ثلاثة أيام، وحدد أن يبدأ هذا الصوم يوم الأثنين قبل بدأ
الصوم الكبير بعشرين يوماً، وأطلق عليها باعوثة نينوى تشبهاً
بأهلها الذين آمنوا وتابوا فقبل الرب توبتهم وأبعد غضبه عنهم.
ونستطيع القول أن الباعوثة كانت موجودة قبل هذه الحادثة، لكنها لم
تكن فرضاً. إلا أن المسيحيين كانوا يمارسونها كلما اشتدت عليهم
أزمة أو فاجأتهم كارثة من الكوارث، وهذا مما تؤكده ميامر مار افرام
النصيبيني ونرساي الملفان.
ففي اليوم الأول ترتل كنيسة المشرق من ميامر مار افرام
النصيبيني:"هذا زمان التوبة هيا بنا نبتهل، نُلقي هموم الدنيا
العالقة بنا، ونشخََص بأنظارنا الى السماء لنطلب الرحمة والحنان.
هلموا بنا نتب عن خطايانا الجمة، وبالصوم نزرع زرعاً وافراً
للحصاد، بالصلاة نفلح كرماً خمرهُ الافراح، ولتبنِ عقولنا بيوتاً
تليق بالله. مضى ليل الخطيئة واتى نور النهار، علينا أن نسلك
سلوكاً مستنيراً، حتى متى نغط في سبات الخطايا، لماذا لا نستيقظ
ونغتسل بالتوبة. فالراعي قد خرج، يطلب الخروف الضال، ما بالنا لا
نعود تائبين اليه، فهو يعود بنا الى موطن الحياة.".
وفي اليوم الثاني ترتل أيضاً من ميامر مار افرام النصيبيني:"نادى
يونان النبي في نينوى العظيمة، منذراً مهدداً بالدمار والهلاك،
مدينة الأبطال ارتجت لصوته، مثل البحر اضطربت ومن الموت دنت. ظل
ملك نينوى حزيناً مكتئباً، امر جنوده بالصوم والصلاة، نادى فيهم
اعملوا بالرفق والوداعة، فهذا خير سلاح لإحراز الانتصار. ابن نمرود
الجبار(49) الباسل
في القتال، يقاتل الخطايا بهمة عالية، ويصطاد السيئات من داخل
شعبه، وينقي المدينة مما فيها من آثام. وصف الصوم لهم هذا الدواء
الشافي، وطارد الخطيئة بالمسوح والرماد، وبالتوبة قضى على اصل
الخطايا، والله منحهم جزيل غفرانه. نزعوا ثوب الحداد وارتدوا
أزياءهم بفرحة عارمة وبصوت الترانيم، سبحوه تعالى على وفر لطفه،
وفيض غفرانه للخطأة التائبين".
وفي اليوم الثالث ترتل من ميامر مار نرساي الملفان:" من البدء
بعفوك شملتنا، والصالحون نالوا أفضل ألطافك، ثوابهم غفرانك عما
مضى، وغفرانك يستبق دعاءهم. حنانك بحر عظيم بلا حدود، لا علو ولا
عمق يساويه، آياته ظاهرة في الخليقة، إتَّقنتَها بقولك منذ
القِدَمْ. لا يا ربي لا يستكبر الماردون، فقد زالت سلطتهم
واندحروا، ولا يُسّروا هُزءاً بنا بقولهم، كيف صار المائتون لا
مائتين".
وحتى يومنا هذا لا يزال هذا الصوم يستمر ثلاثة ايام، يتم فيها
الانقطاع عن الزفرين والصيام حتى الظهر في أيام الباعوثة الثلاثة.
وقد أكدت قرارات المؤتمر البطريركي للكنيسة الكلدانية سنة 1998 على
هذا الصوم هكذا: "يجب على المؤمنين الانقطاع عن الزفرين والصيام
حتى الظهر في ايام الباعوثة الثلاثة. ولا يجوز الاحتفال بالزواج في
أيام الباعوثة".
5- الصوم الكبير(الصوم الأربعيني):
الأربعون من الأعداد التي لعبت أدواراً هامة عبر مسيرة شعب الله
الخلاصية. فقد هطلت الامطار في طوفان نوح
(50) أربعين يوماً
تباعاً. وتاه بنو اسرائيل اربعين سنة في البرية بعد خروجهم من ارض
العبودية. وصام موسى اربعين يوما في طور سيناء قبل ان يستلم لوحي
الشريعة. وصام ايليا اربعين يوماً قبل ملاقاة الرب في طور حوريب.
وتاب اهل نينوى ولبسوا المسوح اربعين يوماً فصرف الرب غضبه عنهم.
وحددت الشريعة الموسوية اربعين ضربة لمعاقبة المجرمين، وفرضت ايضاً
على التائبين ان يُقيموا اربعين يوماً في الهيكل. واعتزال ابن
البشر اربعين يوما في البرية وهناك جاء إبليس ليجربه بمكايده الذي
وعده باللذة وحب المجد وعبادة المال. لكن يسوع انتصر عليه وقال له:
اذهب يا شيطان فإنه قد كتب للرب الهك تسجد واياه وحده تعبد. فهرب
خذلاً إذ لم يستطع الايقاع بيسوع، كما فعل في بدء الخليقة عندما
أسقط أبوينا الأَولين. وقد افتخر ملافنة كنيسة المشرق الكلدانية
بهذا الانتصار الباهر. وترنم مار افرام النصيبيني بهذا الحدث
الرائع بقوله:"هلم بنا الى الاردن أيها الخداع الذي قتلنا في عدن،
وانظر جسدنا المطهر من المعاصي بالمعمودية، وأصغِ مع الجموع الى
صوت الآب الذي يدعونا أبناء حبه. أغويتنا في عدن بأن نكون آلهة،
وها قد تم لنا ذلك بالمسيح. سخرت بنا لمّا أُلقي رئيس قبائلنا من
الفردوس الى منفاه، والآن ما عساك أن تفعله وقد صعد الى السماء
وارتكز في العلاء. خُيِّل إليك أنه أصبح أكلة للموت النهم لما أكل
الشجرة، فلقد خابت آمالك وكذبت أفراحك بعد موت وقيامة إبن جنسنا.
إن الباسل الذي ناوشك القتال هو واحد منا، وقد خرج الى العراء
وناجزك القتال، وكشف عن خدائعك شهوة الجسد وحب المجد واسم السلطة،
تلك أسلحتك الشيطانية. وفيما انت شاكي السلاح بحيلك، عاجلك الفناء
والدمار بكلمة من فمه الطاهر".
ومن المعلوم أن هذا الصوم كان جارياً في الكنيسة منذ الاجيال
الاولى، ففي العصور الاولى كان المسيحيون الاولون يستعدون لعيد
الفصح بالصوم في الاسبوع السابق لعيد القيامة، ومنهم من كان يصوم
يوما أو يومين وفي المجمع النيقاوي
(51) المنعقد سنة
325 تم تحديد الصوم الاربعيني وفرضه على مؤمني الكنيسة.
أما كنيسة المشرق فقد فرضت الصوم الاربعيني على ابنائها منذ
البدايات، وهذا واضح من مجمع مار اسحق المنعقد سنة 410 حيث جاء في
قراراته:"نصوم سوية وفي وقت واحد صوم الاربعين يوماً صوماً
كاملاً". ويتضح من هذا أن الصوم كان موجوداً سابقاً، إلا أن هذا
المجمع حدد وقته وشدّد أن يُعمل به في سائر الأبرشيات الخاضعة
لكرسي المشرق.
ويصف لنا المؤلف المجهول
(52) عن أيام الصوم في كنيسة المشرق بالقول: "يدوم الصوم
أربعين يوما لا أكثر ولا أقل، أي ستة اسابيع في كل اسبوع ستة أيام.
لأننا لا نصوم أيام الأحد، ويصبح المجموع ستة وثلاثون يوما، ويضاف
إليها أربعة أيام من أسبوع الآلام. ويوم الجمعة تمثل نهاية الصوم،
لذا نحتفل مساء الجمعة بقداس الفصح. أن الجمعة والسبت هما أيام
الاحتفال بآلام المسيح، وليس جزءاً من الصوم الكبير. لكننا نصوم
فيها لأنها ذكرى صلب المسيح. فتُصبح ايام الصيام إِثنان وأَربعون
يوما. منها أَربعون يوما إحياء لذكرى صيام ربنا يسوع، إضافة الى
يومي الجمعة والسبت التي فيها تألم ربنا ومات".
وتصف لنا الترتيبات الطقسية أَن الصوم في كنيسة المشرق يبدأ من
الغروب الى غروب اليوم التالي، وكان الصائمون يأكلون وجبة واحدة في
العشاء، وكما يتبين ذلك من صلاة السوباعا "الشبع" التي كانت تتلى
بعد ذاك العشاء.
وقد رتب آباء الكنيسة لهذا الزمن أوقاتاً للصلاة. فيستيقظ المؤمنون
في هجعة الليل ليغوصوا في بحر التأمل بصلاة الموتوا "الجلوس وهي
صلاة التاسعة أي منتصف الليل" التي تدعو إلى الرحمة والمغفرة.
بعدها تبدأ صلاة قالا دشهرا "السهر" شكراً للإله الذي أنعم عليهم
بنعمة التوبة. ومع شروق الشمس يصلون صلوثا دصبرا "صلاة الصباح". ثم
تتوالى نوبات النهار وهي صلاة القوطاعا "القطع وهي صلاة الثالثة أي
التاسعة صباحا"، وصلاة عدّانا دبَلكه ديَوما "صلاة منتصف النهار،
الساعة السادسة أي الثانية عشرة ظهراً" وصلاة المساء "صلوثا درمشا"
وتعقبها الذبيحة الالهية. وبعد الطعام يُصلّون صلاة السوباعا
"الشبع" أي الصلاة قبل الرقاد". ومن خلال هذا الترتيب نجد أن فرض
الصوم يحتوي دورة صلوات الساعات السبع الرهبانية.
هذه الدورة اليومية لزمن الصوم ومن خلال عمق لاهوتي للصلوات
المستعملة فيه، ومن خلال التراتيل الشجية الآخذة بمجامع القلوب،
تجعل النفوس تتهافت لسماع تراتيل التوبة، والعيوم تفيض دموعاً
لمعانيها الغنية، والصدور تنفجر عواطف الحمد لدى تلاوة أيات الشكر،
وأوتار القلوب ترتجف لأَلحان الرجاء والفرح بخلاص العالم".
ومن خلال التمعن بالصلوات التي تُتلى في كنيسة المشرق خلال هذا
الزمن المقدس، نجد اهمية الصوم في حياة ابناء هذه الكنيسة:"هوذا
الصوم البهي كالملك قادم، فليجعل كل منا نفسه كالمدينة المزينة،
ولننقِّ طرقاتها وشوارعها من الادناس والاقذار، ولنجمع افكارنا
صفوفاً، ولنُقِم العقل قائداً لها احتفاءً بالملك القادم، ولنصرخ
جميعا بطلب الرحمة والغفران".
ونصلي في الأحد الأول من الصوم: "يا رب إن محبة الصوم الطاهر عمل
صالح، به استحق موسى أن يقتبل الشريعة، وإيليا صعد في مركبة
مضطرمة، ويشوع بن نون(53)
المظفر أوقف سير الشمس لأنه أحب الصوم والقناعة، ودانيال سدَّ
أفواه ال |