موقف الكرسي الرسولي من مجريات الأحداث على الساحة العراقية فيما يخص
مسيحيي البلد
تقرير إعلامي
إعداد
إدارة الموقع
19-6-2007
مع تعالي
النداءات وتكاثر الأحاديث وتعاظم التظاهرات، بدأ الفاتيكان بأخذ مواقف أكثر
وضوحا وحدة من ذي قبل فيما يخص ما يتعرض له مسيحيو العراق من مضايقات تعددت
أشكالها. وقد برز موقف الفاتيكان هذا من خلال سلسلة تصريحات للأب الأقدس،
البابا بندكتس السادس عشر، العدد من الكرادلة والأساقفة، جاء آخرها، وليس
أخيرها، ما تناقلته وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمطبوع والإلكتروني
حول لقاء البابا للرئيس الأميركي جورج بوش. لأجل تسليط الضوء على موقف
الفاتيكان، كان هذا التقرير الذي استندنا فيه إلى عدد من التقارير
الإخبارية التي وردتنا من موقع Zenet وموقع Asia News وموقع إذاعة
الفاتيكان.
ففي صباح يوم
السبت 9 حزيران 2007، وخلال جولة رسمية في أوربا، كان للرئيس الأميركي لقاء
خاص يختلف عن باقي لقاءاته التي أجراها خلال جولته هذه، ألا وهو لقاء
القائد الروحي الأبرز على وجه الأرض، قداسة البابا بندكتس السادس عشر.
لا شك في أن
بوش شعر برهبة أول مقابلة له مع بندكتس السادس عشر الرقيق والعظيم في آن
معاً المعروف بانتقاده الصريح لاحتمال الحرب ضدّ العراق منذ كان لا يزال
"الكاردينال راتسينغر" في بياناته الصريحة والتي آخر ما صدر عنه في عيد
الفصح يوم قال "أن لا شيء جيد يأتي من العراق الذي تمزقه المذابح المستمرة
فيما السكان يهربون".
وعند وصول
بوش وزوجته إلى الفاتيكان، أجري له الاستقبال الرسمي من قبل مدير شؤون
الدار الرسولية، بعد ذلك توجه إلى مكتب البابا، حيث كان خلوة له مع الأب
الأقدس دامت أكثر من نصف ساعة.
أما عن فما
كان مضمون الحديث الخاص الذي دار بين قداسة البابا وبوش خلال هذه الدقائق
الخمس والثلاثين بعد انسحاب الصحافيين من مكتب البابا؟ فإنه لم يصدر أي
تقرير مفصل حول الموضوع، لكن من المسلّم به أن مجموعة من المواضيع الحساسة
التي تهم الطرفين كانت على جدول أعمال اللقاء.
وقد صرّح
الكاردينال برتوني إلى صحيفة أفينيري التابعة للأساقفة الإيطاليين قبيل
لقاء (بندكتس – بوش) أن مواضيع البحث ستشمل العراق وأميركا اللاتينية
والشرق الأوسط والقضايا المتعلقة بالحياة في المسائل الأخلاقية والاجتماعية
الأساسية التي تهمّ سكان العالم
بالإضافة إلى المسائل المتعلقة بالحرّيات وبتعزيز كرامة الإنسان في العالم.
أما البيان
الصحفي، الصادر عن مكتب الصحافة التابع للكرسي الرسولي، فقد أشار إلى أن
المحادثات قد تناولت مجموعة واسعة من المواضيع، منها:
الصراع
الفلسطيني-الإسرائيلي، الأحداث في لبنان، العراق والجماعة المسيحية هناك،
إفريقيا وأزمة دارفور، أميركا اللاتينية، حقوق الإنسان والحرية الدينية،
حماية وتعزيز الحياة، الزواج والعائلة، تنشئة الأجيال الصاعدة، وقضية
التنمية المستدامة.
أما في ما
يخص العراق، فإن الكرسي الرسولي أكد على ضرورة التوصل إلى حل "إقليمي"
و"توافقي" للصراعات والأزمات، لا من خلال التدخلات الأجنبية (أي الأميركية)
ولا من خلال حلّ أحادي يُفرض عسكرياً، بل من خلال حل توافقي ومتعدد
الأطراف.
ومن المعروف
أن هذا هو موقف البابا منذ كان "الكاردينال راتسينغر"،قبل أن تسلّط عليه
أضواء البابوية. ففي العام 2002، قال الكاردينال لصحيفة أفينيري: "إنه من
الضروري أن تُصنع القرارات على مستوى مجموعة الأمم وليس من قبل سلطة
منفردة...ففي خلاف ذلك ستكون الأضرار أفدح من القيم التي نأمل في إنقاذها".
هذا ويذكر
أنه بالرغم من موافقة الأمم المتحدة والتعاون الدولي في حرب الخليج الأولى
في العام 1991، بقي البابا يوحنا بولس الثاني على موقفه المعارض للحرب
باعتبارها غير مبررة، وكذلك كان موقف الكاردينال راتسينغر، وكذلك شأن
العديد من المسؤولين في الكنيسة الكلدانية في العراق.
وقد أدت
الحرب وتداعياتها إلى جر الويلات على الشعب العراقي، عموما، والمسيحيين
منهم، على وجه الخصوص، جعلت البعض يتخوف من أن يتمّ القضاء على المسيحية في
العراق بعد مرور 2000 عام على وجودها في هذا البلد.
فعلى الرغم
من صعوبة الحصول على أرقام وتقديرات دقيقة لأعداد المسيحيين في العراق في
ظل الأوضاع الراهنة، إلا أن التقديرات العامة تبيّن تراجعاً سريعاً في
عددهم في الأشهر الأخيرة، إما بسبب القتل، عمدا أو بسبب الأحداث الدامية
التي تجتاح البلد، أو بالترهيب والتهديد والتهجير القسري.
واستناداً
إلى التقارير والآراء التي يتلقاها من المسؤولين في الكنيسة الكلدانية
والسفير البابوي في العراق ومجمع الكنائس الشرقية، جعل البابا بندكتس
السادس عشر من ملف المسيحيين في العراق من أولويات متابعته الشخصية.
وقد ذكر بوش
نفسه قلق الأب الأقدس الشديد حيال وضع مسيحيي العراق في مؤتمر صحافي عقده
بُعيد لقائه بالبابا، حيث قال للصحافة "كان (البابا) قلقاً من أن المجتمع
الذي ينمو (في العراق) لا يقبل الديانة المسيحية، وقد أكدتُ له أننا نعمل
بجهد لكي نضمن أن الناس يحترمون الدستور (العراقي) – هذا الدستور المعاصر
الذي صوّت عليه الشعب من مختلف الشرائح والانتماءات".
وفي وقت أن
هذا "الدستور العراقي المعاصر" قادر على حماية المسيحيين والأقليات الدينية
الأخرى من الاضطهاد، من الناحية النظرية، تشير الوقائع على الأرض بقوة إلى
أن السلطات المدنية هي في أفضل الحالات محدودة القدرة على كبح الاضطهادات
الدينية، وفي أسوأها تتغاضى عما يحصل. وغالباً ما يلقي العراقيون، ومن
بينهم رئاسة الكنيسة في العراق، الملامة على الحكومة العراقية لفشلها في
تأمين الحماية اللازمة للعراقيين جميعا، والمسيحيين من بينهم، وعلى
الائتلاف بقيادة الولايات المتحدة لشنها الحرب على بلادهم.
وقد قال ممثل
الكنيسة الكلدانية لدى الكرسي الرسولي المونسنيور فيليب نجيم في كلمة
تأبينية ألقاها خلال قداس أقيم لراحة نفس الأب رغيد في روما قبل أيام: "منذ
فترة، باتت الجماعة المسيحية العراقية عرضة للاختطافات، والتهديدات وأساليب
التهويل والتخويف، دونما حماية من قبل الحكومة أو من قبل قوات
التحالف"...وبعد الحصار (المفروض وغير العادل)، وأربع سنوات من (الاحتلال
الأمريكي)، لم يبق سوى عراق ممزق طائفياً ودينياً، حيث لا يلقى فيه
المسيحيون أي دعم".
وبعد لقاء
قداسته مع الرئيس الأميركي، وجّه البابا بندكتس السادس عشر خطاب آخر باللغة
الفرنسية إلى وفد مجلس أساقفة إفريقيا الشمالية في زيارتهم القانونية
للأعتاب الرسولية. وهنا أيضاً، تطرق البابا إلى مسألة المسيحيين في الدول
المسلمة، قائلاً: "يسعدني أن أعلم أنه، بفضل مبادرات الحوار وأماكن
التلاقي، كمراكز الدراسة والمكتبات، أنتم منخرطون في تطوير وتعميق علاقات
الاحترام والتقدير المتبادل بين المسيحيين والمسلمين من أجل تعزيز المصالحة
والعدالة والسلام".
وأشار قداسته
إلى أن المشاركة في الحياة اليومية تمكّن المسيحيين والمسلمين من إيجاد
القاعدة الأساسية لتعارف متبادل أفضل عبر المشاركة الأخوية في أفراح وآلام
بعضهم البعض الآخر، وخاصةً في لحظات الوجود الأكثر تأثيراً التي تعبر عن
تضامن حقيقي من شأنه أن يوثق روابط الثقة والصداقة بين الأشخاص والعائلات
والمجتمعات.
ومن ناحية
واقعية، قال البابا أن مثل هذه المبادرات المشجعة والنشاطات التعاونية التي
تشكل أسس التعايش السلمي بين المسيحيين والمسلمين، قد لا تكون كافية
لمواجهة تصاعد موجة الإرهاب والاضطهاد ضد المسيحيين في العالم، ولكنها من
دون شك ستشكل إجراءات مضادة ووقائية للتعصب الديني المتنامي على صعيد
الجماعات المحلية، خاصةً في العراق.
وفي ذات
اليوم، توجه البابا إلى خارج أسوار الفاتيكان قاصداً مجمع الكنائس الشرقية
لإعلان تعيين ديبلوماسي قديم العهد في الفاتيكان، رئيس الأساقفة الأرجنتيني
المونسنيور ليوناردو ساندري، 62 عاماً، رئيساً جديداً للمجمع خلفاً للسوري
الأصل الكاردينال أغناطيوس موسى الأول داود، بطريرك أنطاكيا سابقاً.
وقد
لخصت كلمة البابا في المجمع قلقه الشديد حيال مسألة المسيحيين المضطهَدين،
حين قال: "أرفع من صميم قلبي دعاءً لأجل السلام في الأراضي المقدسة، في
العراق ولبنان".
فالبابا،
الراحل والحالي، وكل الكنيسة، لم توافق يوما على الحرب التي شنتها أميركا
وحليفاتها على العراق وتحت ذرائع شتى. وبعد أن حدثت الحرب واحتلال العراق،
حافظ الكنيسة على موقفها الرافض للحرب ونتائجه السلبية المحتمة والتي رأت
الكنيسة أنها ستلحق الضرر لكل العراقيين على اختلاف انتماءاتهم القومية
والعرقية والدينية والمذهبية. أما فيما يخص المسيحيين من العراقيين، فقد
اهتم البابا بندكتس بهذا الأمر، مؤكدا أن الأمر واجب الحل عن الطريق
التفاهم والحوار والتوافق، أسوة بكل القضايا المعقدة في الساحة العراقية...
لكن، ومن الناحية الواقعية، فإن الحلّ الذي يحبذه البابا، في حال وجود حل،
أمر لم يتطرق إليه أي مسؤول في الفاتيكان، ومن غير المرجح أن يقرر يوماً
إبداء رأيه حول الموضوع إلا إذا اجتمع مسؤولو الكنيسة العراقية حول موقف
موحد وضغطوا على الكرسي الرسولي ليدعمهم!...
لنشر أخباركم،
اتصلوا بنا... ونحن على نرحب بكم دوما.