سلّم الربّ يسوع إلى تلاميذه سلطةَ التعليم التي كان يملكها، لهُ المجد،
حتى أن نعاصؤيه رأوا أنه "كان يعلّمهم كمنْ له سُلطان" (مرقس 1: 22). وقبلَ
صعوده إلى السماء، أرسلهم قائلاً: "اذهبوا إلى العالم كلّه، وأعلنوا
البشارةَ إلى الناس أجمعين" (مر 16/15). فانتشر الرسلُ في العالم كلّه
مسنودين بهذه السلطة الإلهية ومعلنين بها بشارة الملكوت، أي مُلك الله على
حياة البشر، لكلّ إنسان. وقد تسلمت الكنيسةُ عبر الأجيال هذه السلطة أيضاً
من الرب يسوع من بعد تلاميذه: "سلّمتُ إليكم قبل كلّ شيء ما تلقّيتُهُ..."
(1 كور 15/3). ولا تزال تستخدم هذه السلطة في كل مكان من العالم لتنشر
تعاليم الإنجيل.
وعندما انتشرت المسيحيّة في بقاعٍ كثيرة من العالم وكثُرَ عددُ المسيحيين،
ظهرت الحاجة إلى تنظيمهم من الناحية الإدارية لكي تستطيع الكنيسة أن توصل
إليهم كلمة الله، ولكي لا يُحرم أحدٌ من نعمة الخلاص الذي أتى به ربنا يسوع
المسيح. فأصبح للجماعات المسيحيّة تقسيمات إدارية تسمّى "أبرشيات". وكل
أبرشيّة تتكون من عدّة كنائس (خورنات أو رعايا) تهتم كل واحد منها
بالمسيحيين الساكنين ضمن منطقة جغرافية معينة، وذلك من جميع النواحي:
الإيمانيّة والروحيّة أولاً ثمّ الاجتماعيّة والثقافيّة كما تحتفل معهم
بالذبيحة الإلهية وبقية الأسرار.
وللخورنة أو الرعية وسائل عديدة تساعدها على نقل تعليم المسيح رأسها إلى
المؤمنين بصورة صحيحة، وعليها أن تطوّر وسائلها هذه بناءً على ما يقدمه
المجتمع من وسائل حديثة في هذا الجانب أو تستحدث هي وسائل يشهد التاريخ أن
المجتمع تبنّى الكثير منها وطبّقها على مؤسساته.
وواحدة من هذه الوسائل "التعليمية" التي نريد أن نتكلم عنها اليوم على نطاق
الخورنات أو الرعايا هي "الأخوية الشبابيّة". فالشباب، كما وصَفَهم البابا
بندكتس السادس عشر في رسالته التي وجهها إليهم بمناسبة يوم الشباب العالمي
يوم أحد السعانين لعام 2007: "مستقبل وأمل الإنسانيّة". وقد اهتمّ البابا
الراحل يوحنا بولس الثاني أيضاً بالشباب كثيراً خلال فترة حبريته وبنى
عليهم آمالاً كبيرة، إذ عليهم يتوقف مستقبل الكنيسة ويعتمد عليهم مدى
حيويتها وفاعليتها.
وبناءً على ضرورة الاهتمام بالشباب هذا الذي نادتْ به الكنيسة جمعاء، خصصت
الخورنات جزءاً كبيراً من نشاطها للشباب مما جذب الكثير منهم للخدمة في
الكنيسة متطوعين لينشروا حبّ المسيح بين الجميع. و"الأخوية الشبابيّة"
واحدة من النشاطات الرئيسية في الخورنة والمخصصة للشباب. فهي عبارة عن
اجتماع شبابي من كِلا الجنسين، ويكون عادةً مرة كل أسبوع، ويهدف من خلال
وسائل عديدة إلى تنميّة نفوس الشباب والوصول بهم إلى الكمال الإنساني
والروحي.
وبناءً على هذا الهدف الرئيسي الذي ذكرناه أعلاه، تتبنّى الأخوية أهدافاً
أخرى: مناقشة مواضيع "إيمانيّة" وخاصةً في الكتاب المقدس، تخصّ حياةَ
الشباب الإيمانيّة، ومواضيع "إنسانيّة" تمسّ حياتهم كبشر، وأخرى
"اجتماعيّة" تتعلق بحياتهم كجماعة مؤمنة داخل المجتمع، بالإضافة إلى مواضيع
"نفسيّة" تناقش مشاكلهم النفسيّة العامة والخاصة وغيرها من التحديات التي
تواجههم في عالمنا المعاصر.
وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف وغيرها، تعتمد الأخوية على عدة أساليب:
المحاضرة، حلقات المناقشة والحوار، عرض الأفلام الدينية والاجتماعية
الهادفة، زيارة كالأديرة، إقامة رياضة روحية، الاحتفال بالقداس الشبابي،
إقامة لقاءات مشتركة بين أخويات عدد من الخورنات لكسب خبرات جديدة، تقديم
فقرات ثقافية وأدبية ترفيهية، بالإضافة إلى نشاطات لأهداف اجتماعية كمساعدة
المحتاجين والمرضى مثلاً...
وتتّخذ الأخوية اسمَ الخورنة أو اسماً آخر يعبّر عن أهداف المنتمين إليها.
وتتكون هيكليّتها من رئيس الأخوية (ويكون عادةً من أعضائها المتميزين)
ومعاونه، أو الذي ينوب عنه، ومن أعضاء الأخوية الذين يُقسمّون أحياناً إلى
لجان تُنظِّمُ كلٌ منها جانباً معيناً من نشاطات الأخوية: كاللجنة
الاجتماعية التي تهتم بالعلاقات الأخوية بين الشباب داخل الأخوية وخارجها
وتقوم أحياناً بمساعدة راعي الخورنة في زيارة العوائل وتفقدهم وتلبية
احتياجاتهم، واللجنة الثقافية التي تهتم بإعداد المحاضرات بالتنسيق مع راعي
الخورنة ودعوة محاضرين من داخل الخورنة أو خارجها لتقديم مواضيع منوّعة كما
تهتم بنشاطات ثقافية أخرى كإصدار نشرة باسم الأخوية أو باسم الخورنة تنقل
البشرى السارة للناس بالكلمة المكتوبة، واللجنة المالية التي تنظّم صندوق
الأخوية الذي يدعم نشاطات الأخوية المختلفة ومنها نقل أعضائها من بيوتهم
إلى الخورنة وبالعكس وتوفير مصاريف النشاكات المختلفة للأخوية، واللجنة
الترفيهية التي تنظّم بين فترةٍ وأخرى وخاصةً في زمن الأعياد فقراتٍ
ترفيهية منوّعة، بالإضافة إلى لجان أخرى قد تدعو لها الحاجة.
أخيراً نودّ أن نشير إلى أن الإيمان المسيحي لم يكن أبداً إيماناً فردياً،
فقط، بمعنى أن كل إنسان له علاقة فردية مع الله ولا علاقة له مع الناس
الآخرين (أنا وإلهي فقط)، بل إن إيماننا جماعي واجتماعي، يجمع كل المؤمنين
في وحدة الإيمان بالله الخالق. والأخوية تعبّر عن هذه الروح الجماعية التي
تتّسم بها الكنيسة وعن تضامن أبناء الإيمان الواحد لمواجهة التحديات التي
تواجههم.
الأخويات الشبابية في بغداد
في مدينة بغداد بكل أطياف المسيحيين فيها، شكّلت الخورنات منذ زمنٍ بعيد
أخويات شبابية كانت معروفة على نطاقٍ واسع. ولا يزال الكثير من المؤمنين
يذكرون الأخويات التي كانوا ينتمون إليها في الماضي، وهم يتحدثون عنها بفرح
والذكريات ترسم الابتسامة على وجوههم وتُنعِش قلوبهم وتبعث فيهم شوقاً
كبيراً لتلك النشاطات التي كانوا يقومون بها في الأخوية.
فبجهود غيرة الكهنة والعلمانيين، جمعّت خورنات بغداد شبابها الرائعين في
أخويات وفي لقاءات أسبوعية. وقد وصل عدد أعضاء بعض الأخويات في سنوات ما
قبل الحرب الأخيرة (2003) ما يربو على المئة شابٍِ وشابة، مما اضطرّ بعض
الخورنات إلى تشكيل أكثر من أخوية داخل الخورنة لتسع عدد الشباب المنتمين
إليها.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا العدد الكبير، فإن هناك أضعافه من الشباب الذين
لا ينتمون إلى نشاط الأخويات هذا، إمّا لعدم رغبتهم في الانتماء إليها
لأسباب عديدة منها قد تكون نظرتهم الخاطئة إلى الكنيسة واعتقادهم بعدم جدوى
مثل هذه الاجتماعات الكنسيّة، أو لعدم مقدرتهم على الالتزام بها بسبب ظروف
عملهم ومسؤولياتهم... وربما يخبّئون وراء هذه الأسباب الظاهرية أسباباً
أخرى في داخلهم كالخجل أو التكاسل أو عدم الرغبة في مشاركة الجماعة وغيرها.
ورغم هذا، فإن الرعاة الحقيقيون، كانوا ولا يزالون، يحثّون الجميع على
المجيء ومشاركة شباب الخورنة في هذه الاجتماعات، خاصةً بعد حملة بناء واسعة
لمراكز ثقافية لخورنات بغداد في السنوات الأخيرة. حيث تحوي هذه المراكز على
قاعاتٍ كبيرة تسع أكبر عددٍ ممكن من الشباب، مع توفير وسائل مساعِدة مثل
المسرح ليقدم فيه الشباب عروضاً أو مشاهد دينية أو اجتماعية هادفة تعبّر عن
واقع حياتهم اليومية. وأيضاً ساحات لكرة القدم وكرة الطائرة مما شجع على
تشكيل فرق شبابية للخورنات تشارك مع بعضها في بطولة أو دوري مما يزيد
العلاقات الأخوية بين شبابها...
وبعد الحرب الأخيرة، وبالتحديد بعد عمليات تفجير الكنائس عام 2004، قلّ عدد
المؤمنين في الخورنات بسبب الخوف من استهدافها مرةً أخرى، مما أدى أيضاً
إلى إلغاء اجتماعات بعض الأخويات خاصةً في المناطق التي تشهد ظروفاً أمنيّة
سيئة. أما في المناطق الآمنة نسبياً، مقارنةً بمناطقٍ أخرى، فقد استمرت
الأخويات وجذبت إليها عدداً لا بأس به من الشباب، مع أن عددهم لا يُقارَن
بعددهم في السنوات السابقة، خاصةً بسبب الهجرة القوية التي تشهدها عوائلنا
من بعد الحرب وخاصةً في الفترة الأخيرة.
ومع ذلك، فإن شباب بغداد اليوم يجدون في خورناتهم المكان الوحيد الذي
يجمعهم ويستطيعون فيه أن يأخذوا حريتهم، على الرغم من كل الظروف الأمنية
السيئة التي يشهدها بلدنا لأربع سنواتٍ خلت. إذ إنه تقريباً لا يوجدُ مكانٌ
آخر للشباب في مجتمعنا اليوم يساعدُهم على عيش مواهبهم وإمكانياتهم مع
الآخرين مثل الكنيسة، فأصبحت الكنيسة مثل بيتهم الثاني، يطرحون فيه مشاكلهم
وهمومهم ومتاعبهم ويتقاسمونها مع زملائهم بعد أن حمّلهم المجتمع والظروف
أحمالاً ثقيلة على أكتافهم ولم يسمح لهم أحياناً حتى بالتعبير عن رغباتهم
المدفونة في داخلهم، مما جعلهم يتوقون لعيشها ضمن جماعة تتفهمهم وتقاسمهم
أفراحهم وأحزانهم، وهذا هو واجب الكنيسة في خلق مثل هذه الجماعة المتماسكة
والموحدّة بالإيمان وبالإنسانيّة ضمن إطار الخورنة ومن خلال نشاطها الرئيسي
"الأخوية".
ولا ننسى النشاط الرائع الذي بدأ في بغداد في الفترة الأخيرة وهو "لقاء
الشبيبة المسيحية في بغداد"، وقد تمّت بنجاحٍ كبير أربعةُ لقاءات من هذا
النوع، جمعت شباب الأخويات من كل خورنات بغداد كل مرة في خورنة. فتُلقى
عليهم محاضرة ويحتفلون سويةً مع راعي الأبرشية بالذبيحة الإلهية ويتقاسمون
خبراتهم ويصلّون من أجل هذا البلد الجريح أو لأجل نياتٍ أخرى. وقد تجاوز
عدد الشباب في اللقاء الأخير أكثر من 400 شاب وشابة. إنه تحدّي فعلاً ليس
للظروف فحسب، بل لكل ما يحاول أن يهدم الوحدة الإيمانية التي تربط شبابنا
على اختلاف طوائفهم.
وعلى نفس النهج أيضاً، كان هناك، ولفترة وجيزة، لقاءٌ شهري لطلبة الجامعات
المسيحيين في بغداد، يُدعى إليه شباب الجامعات إذ توزّع عليهم الدعوات داخل
الجامعة أو عن طريق البريد الالكتروني. كان الهدف من هذه اللقاءات جذب كلّ
الشباب البعيدين عن الكنيسة وتعريفهم بمغزى هذه اللقاءات الكنسيّة وتقريبهم
من المسيح ونقل محبته العظيمة إليهم، فتتحقق بالتالي أمنيته بأن "يكونوا
واحداً" (يوحنا 17: 11).
أخيراً، أريد أن أقدّم شهادة لشبابنا في بغداد أنهم شبابٌ
رائعون بكل معنى الكلمة، شبابٌ مكافح في سبيل البحث عن الحياة الحقيقية على
الرغم من كل الظروف، شبابٌ يعبّر في اجتماعاته الأخوية عن رغبته في الحياة
ومعرفة المسيح الحقيقي والإنجيل والكنيسة... يندرُ وجودُ مثل هؤلاء الشباب
بشهادة أشخاصٍ كثيرين شهدوا لهم بذلك أيضاً. فصلاتنا اليوم لأجل جميع
شبابنا بأن يحفظهم الرب من كل مكروه وينجيهم من الشرير ويساعدهم لينموا
"بالحكمة والقامة عند الله وعند الناس" (لوقا 2: 52) على مثال المسيح يسوع.
وصلاتنا لأجل الكنيسة أيضاً، رؤسائها ورعاتها، لكي يمنحهم الرب القوة
والنعمة ليعملوا قدرَ طاقتهم لأجل الشباب لأنهم أساس الكنيسة ومستقبلها.
وصلاتنا أخيراً للجميع ليباركنا الرب ويمطر علينا بركاته ونعمه. آمين.
لنشر أخباركم،
اتصلوا بنا... ونحن على نرحب بكم دوما.