|
الكنيسة الكلدانية
نظرة موجزة
الفصل الثاني -
استقلاليتها وعلاقتها بالكرسي الرسولي
استقلالية كنيسة المشرق
شغلت كنيسة المشرق رقعة جغرافية كانت تحت
الحكم الفارسي، في حين أن الكنيسة الغربية كانت تحت الحكم
الروماني. لم يكن لهذا الأمر أهمية إلاّ بعد مرسوم ميلانو
الصادر سنة 313 (أعلن
هذا المرسوم الملك قسطنطين بتشجيع من أمه القديسة هيلانة.
وبموجب هذا المرسوم، أعطيت حرية اعتناق المسيحية وممارسة
شرائعها لمواطني الإمبراطورية الرومانية)،
حيث بدأ الفرس ينظرون إلى مسيحيي إمبراطوريتهم على أنهم
جواسيس موالين لأعدائهم الرومان الذين كانوا يرعون الديانة
المسيحية التي كانت قد انتشرت في الإمبراطورية الفارسية،
بل وتغلغلت حتى في البلاط الفارسي. فصار هذا الأمر أحد
أسباب اضطهاد المسيحيين في الإمبراطورية الفارسية.
من ناحية أخرى، فرضت الحروب بين الفرس
والرومان على مسيحيي كنيسة المشرق صعوبة الاتصال بإخوتهم
الغربيين، الأمر الذي أسهم في نمو كنيسة المشرق مستقلة
إداريا عن كنيسة الغرب. وقد بدا هذا الأمر واضحا في مجمع
اسحق المنعقد سنة 410، والذي نظم الإدارة الداخلية لكنيسة
المشرق، كما أن مجمع داديشوع، المنعقد سنة 424، أكّد ضرورة
الاستقلال الإداري عن الغربيين وأن على أبناء الكنيسة أن
يهتموا بها وبأمورها. فهذا الوضع السياسي المعقد الذي أحاط
بكنيسة المشرق أتاح لها، منذ نشأتها، أن تكون مستقلة
إداريا وليتورجيا عن الكنيسة الغربية.
أما من الناحية العقائدية، فلم يكن هناك
فرق في بداية نشأة الكنيسة، إلاّ أن ظهور تعاليم نسطوريوس
وانتشارها في كنيسة المشرق عن طريق مدرستي الرها ونصيبين،
من ناحية، ومحاولات المونوفيزيين للتغلغل في كنيسة المشرق،
من ناحية أخرى، جعل أساقفة كنيسة المشرق ومعلّميها يميلون
إلى تعليم نسطوريوس. وقد أدى ذلك إلى الإسهام في تمييز
الفرس بين نوعين من المسيحيين: فمسيحيو الإمبراطورية
الفارسية لا يدينون بنفس المعتقد الروماني. لذا يمكن
القول: إن الوضع السياسي كان عاملا في قبول كنيسة المشرق
التعاليم النسطورية والانفصال العقائدي عن الغرب، بالإضافة
إلى الدافع الوقائي ضد المونوفيزية.
محاولات الانفتاح الفكري
على كنيسة الغرب
لم يكن هذا الوضع الخاص بكنيسة المشرق
سليما تماما. فرغم أنه وفّر للكنيسة استقلالية خاصة
وأعطاها خصوصية بين الكنائس الأخرى، إلاّ أنه لم يخل من
سلبيات تمثلت في العزلة الدينية والروحية عن عموم التيار
المسيحي في العالم، وذلك لنفس الأسباب التي نشأت به كنيسة
المشرق مستقلة؛ أي هذا الظرف السياسي والعداء العميق بين
الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية.
وقد رأى عدد من جثالقة ومفكري الكنيسة هذا
الخلل، بل الخطر المحدق بالكنيسة. ونتيجة لهذه الرؤية، جرت
عبر تاريخ كنيسة المشرق محاولات عدّة للعودة بالكنيسة إلى
الخط العام وإنقاذها من العزلة التي تعيشها. وكانت هذه
المحاولات إما على صعيد الفكر اللاهوتي أو على صعيد
العلاقة الرسمية مع كنيسة الغرب.
أولى المحاولات الفكرية، كانت محاولة حنانا
الحديابي الذي كان مديرا لمدرسة نصيبين، المدرسة اللاهوتية
الرسمية لكنيسة المشرق، والذي تولى إدارة المدرسة منذ سنة
572 حتى وفاته في سنة 610. حاول حنانا أن يُدخل آراء يوحنا
فم الذهب مفضّلا إياها على تعاليم تيودورس المصيصي الذي
كان يعد المعلّم الرسمي لكنيسة المشرق وإليه كانت تستند
كافة الطروحات اللاهوتية فيها. إلاّ أن محاولة حنانا هذه
للانفتاح الفكري على الغرب لاقت معارضة شديدة من قبل رئاسة
الكنيسة، فقد حارب هذه المحاولة عدد من الجثالقة منهم
إيشوعياب الأول (582-595) وسبريشوع (596-604).
ورغم فشل هذه المحاولة في زمانها، إلاّ
أنها تركت أثرها في نفوس البعض، الأمر الذي أدى إلى ظهور
مفكرين كبار تمسكوا بتعاليم حنانا وأعلنوها في كتاباتهم
مثل يوسف حزّايا ويوحنا الدلياثي وسهدونا. فقد حاول هؤلاء
وغيرهم ربط كنيستهم بأصولها العريقة ومدّها بما ينعشها
ويغذيها ويتيح لها التجدد دوما، ضمن كنيسة المسيح الشاملة،
والتكيّف مع الظروف والأحداث لمواصلة رسالتها في عالم
البشر.
محاولات مبكرة للإتحاد مع
روما
أما على صعيد العلاقة الرسمية بكنيسة
الغرب، فقد ادخر لنا التاريخ من الوثائق ما يؤكد حدوث
محاولات مبكرة نسبيا للإتحاد بالكرسي الرسولي في روما. وقد
جرت هذه المحاولات بعد زوال الدولة الفارسية ونشوء الدولة
الإسلامية واستقرارها وبناء علاقات طيبة لها مع جيرانها،
مما جعل كنيسة المشرق تنعم بالاستقرار والسلام وتفكر
بتحسين علاقاتها مع باقي الكنائس التي طالما بقيت كنيسة
المشرق شبه منعزلة عنها.
وقد جرت أولى المحاولات الرسمية على يد
الجاثاليق سبريشوع الخامس (1226-1256) الذي عُرف بعلمه
وقداسته. وكان سبّاقا في مضمار الوحدة، فأعرب عن رغبته
فيها وعن معتقده الميّال إلى معتقد الكنيسة الجامعة. وقد
نقل هذه الرغبة المرسلون الغربيون إلى البابا أشنسيوس
الرابع الذي وجّه رسالة إلى الجاثاليق يهنئه فيها على
حقيقة إيمانه. أجاب الجاثاليق على رسالة البابا برسالة،
أوكل كتابتها إلى الربّان آرا وكيله العام، يشكره فيها
ويبدي اعترافه بسلطة الحبر الروماني، كما أرفق معها رسالة
من مشارقة الصين وأخرى تتضمن صورة إيمان رئيس أساقفة
نصيبين إيشوعياب برملكون تحمل توقيعه مع تواقيع مطرانين
وثلاثة أساقفة مع صورة إيمانهم. إلاّ أن الأمر وقف عند هذا
الحد، فقد جاء الاجتياح المغولي لينشر الفوضى والإرهاب في
المنطقة... فقضت هذه المحاولة نحبها.
وقد جرت المحاولة الثانية في عهد الجاثاليق
يهبالاها الثالث (1281-1317) بواسطة زميله الربّان صوما
سنة 1287، حين أرسله كل من الجاثاليق يهبالاها الثالث
والملك المغولي أرغون مبعوثا إلى البابا نيقولا الرابع
وملوك الغرب. وقد حضي الربّان صوما بإكرام وترحاب البابا
الذي زوّده هدايا إلى الجاثاليق مع رسالة بيّن فيها عقيدة
الكنيسة الجامعة ودعا الجاثاليق إلى الانضمام إليها. ثم
توقفت المراسلات عند هذا الحد حتى سنة 1304، حين أرسل
الجاثاليق رسالة إلى البابا بندكتس الحادي عشر بيد الراهب
الدومنيكي يعقوب مبيّنا فيها صورة إيمانه ومبديا طاعته
وتعلقه، هو وجميع أساقفته، بالكرسي الرسولي. إلاّ أن هذه
المساعي ذهبت أدراج الرياح، إذ كانت تفتقر إلى دراسات
رصينة شاملة، كما قضت عليها الظروف السياسية ومواقف المغول
المتقلبة.
أما المحاولة الثالثة فقد جرت في عهد
الجاثاليق شمعون الرابع باصيدي (1437-1476) من قبل
المسيحيين المشرقيين في قبرص. كانت قبرص، كونها جزيرة
يفصلها بحر شاسع عن الشرق الأوسط، ملاذا لكثير من سكان تلك
المناطق، خاصة المسيحيين منهم، هربا من الحروب التي دارت
رحاها بين الشعوب الفارسية والعربية والتركية والمغولية
للسيطرة عليها. كما كان فيها جالية مشرقية تعود إلى
السبايا التي جاءت بها قوات الروم من تلك البلاد. أما على
الصعيد الكنسي، فإن مشرقيي قبرص كانوا ينضوون تحت رئاسة
أسقفية تابعة لمطرافوليطية طرسوس التي كانت، بدورها، تتبع
أبرشية دمشق. في سنة 1222 توجهت أنظار روما إلى هؤلاء
المسيحيين، فجرت محاولات عديدة لسحبهم إلى الكثلكة. لكن
هذه المحاولات لم تحقق نجاحا يذكر إلاّ في سنة 1445، عندما
اقتنع المطران المشرقي في قبرص بانحراف التعاليم النسطورية
وأرسل صورة إيمانه إلى البابا مطلقا على نفسه لقب مطران
الكلدان. وقد أجابه البابا بكتاب يمنع فيه إطلاق لقب
نساطرة على كلدان قبرص... فكانت تلك هي المرة الأولى التي
يطلق فيها لقب الكلدان على مسيحيي كنيسة المشرق المتحدين
بالكرسي الرسولي. إلاّ أن هذه الجماعة الكلدانية، مع
الجالية اليعقوبية الساكنة في الجزيرة، انقرضت بعد أن تغلب
الأتراك على اللاتين وطردوهم من الجزيرة، فكان مصير تلك
الجماعات الشرقية إما أنها هربت إلى أوربا لتذوب داخل
الكنيسة اللاتينية، أو أن قسما منهم أعلنوا إسلامهم خوفا
من تهديدات الأتراك.
حركة يوحنا سولاقا
الوحدوية
بعد هذه المحاولات الوحدوية المبكرة نسبيا،
واصلت كنيسة المشرق مسيرتها حتى منتصف القرن السادس عشر
حين شهدت هذه المسيرة انعطافة شديدة إثر احتجاجات شديدة من
عدة أساقفة على النتائج السلبية التي أتى بها قانون حصر
الجثلقة بعائلة "بيت أبونا". فقد كان الجاثاليق يرتقي إلى
كرسي كنيسة المشرق بانتخاب المطارنة والأساقفة له، ولم يتم
انتخاب إلاّ من تتوفر فيه الشروط اللازمة للقيام بأعباء
الرئاسة الكنسية، فكان ذلك عاملا في ظهور جثالقة عظام في
إيمانهم وشجاعتهم وفكرهم وثقافتهم وروحيّتهم وحنكة
إدارتهم.
إلاّ أن الصدفة شاءت أن يتم انتخاب ست
جثالقة متتالين، ابتداء من طيمثاوس الثاني (1318-1332)، من
عائلة "بيت أبونا". فلما تولّى رئاسة الكنيسة شمعون الرابع
الباصيدي (1437-1476)، وكان أيضا من نفس العائلة، استغل
هذا الواقع ليسنّ قانونا يحصر الجثلقة بأبناء عائلته دون
غيرها، غير مبال باعتراضات المطارين والأساقفة الذين رأوا
في هذا القانون خرابا وتدهورا للكنيسة،من ناحية، وإنكارا
وسلبا لحقوقهم، من ناحية أخرى.
وبالفعل، جاء هذا القانون على كنيسة المشرق
بنتائج وخيمة؛ فقد بلغ إلى رئاسة الكنيسة أشخاص غير مؤهلين
للقيام بمهام الجاثاليق، كما عمل جثالقة عائلة "بيت أبونا"
على ضمان استمرار حصر الجثلقة في عائلتهم من خلال تقليص
رؤساء الأساقفة في الكنيسة، حتى بلغ الأمر بأحدهم، وهو
شمعون السادس برماما (1538-1558)، إلى حصر رئاسة الأسقفية
في شخص واحد من عائلته لا يزيد عمره عن ثمان سنوات كي لا
يتسنى لأحد آخر أن يرسم جاثاليقا خارجا عن العائلة، إذ أن
القانون يمنع رسامة الجاثاليق إلا على يد من هو برتبة رئيس
أساقفة.
إزاء هذا الوضع المتدهور، اجتمع ثلاثة من
أساقفة كنيسة المشرق، وهم أساقفة أربيل وسلماس وأذربيجان،
وعقدوا مجمعا مصغرا في منطقة الجزيرة، ثم مجمعا موسّعا في
مدينة الموصل حضره أيضا وفود الأكليروس والعلمانيين من شتى
الأماكن حاملين كتب تخويل من الشعب الذي يمثلونه. وقد
تداول المجتمعون في شؤون الكنيسة وشجبوا قانون الوراثة
وقرروا مقاطعته والعودة إلى قوانين الكنيسة الأصلية، ورأوا
أن الأمر يستوجب انتخاب شخص تتوفر فيه المؤهلات اللازمة
ليتولّى قيادة الكنيسة في تلك المحنة التي كانت تمر بها.
وعندما بدأت عملية الانتخاب، توجهت الأنظار
شيئا فشيئا إلى الراهب يوحنا سولاقا، رئيس دير الربّان
هرمزد الواقع بالقرب من ألقوش، لما امتاز به من فضيلة وروح
إنجيلي وتضحية ونكران ذات مع علم وإدارة. فأرسل المجتمعون
إلى الدير من يخبره بانتخابه وبطلب المنتخبين بحضوره، إلاّ
أنه رفض لأنه شعر بثقل المسؤولية التي يريدون إلقاءها على
كتفيه. وأرسل الأساقفة بطلبه ثانية، وأعاد رفضه، فما وجدوا
سوى أن يرسلوا إليه من يأتي به رغما عنه. ولما وصل يوحنا
سولاقا إلى قاعة الاجتماع تعالت هتافات الحاضرين ترحابا
بالبطريرك المنتخب.وإزاء إلحاح المجتمعين، أذعن يوحنا
سولاقا لمشيئة الله ولمطلب الكنيسة... وكان ذلك في مطلع
سنة 1552.
ولمّا لم يكن ممكنا رسامة يوحنا سولاقا
بطريركا على الكنيسة، لعدم وجود رئيس أساقفة بين الحضور،
تزوّد يوحنا سولاقا بأوراق اعتماد رسمية وكتب شجب لقانون
الوراثة ورسالة موجهة إلى الحبر الروماني تلتمس موافقته
على رسامة يوحنا سولاقا وتثبيته بطريركا شرعيا مخولا على
كنيسة المشرق قاطبة.
انطلق يوحنا سولاقا مع الوفد المرافق له
ليصل روما في تشرين الثاني سنة 1552، فاستقبل بحفاوة بالغة
وعُيّن له مكان للإقامة قرب الفاتيكان. وبعد استراحة دامت
بضعة أيام، بدأت الإجراءات الرسمية في فحص القضية وفحص شخص
يوحنا سولاقا واستقامة إيمانه. وقد استمر ذلك حتى شباط سنة
1553، حين قدم يوحنا سولاقا صورة إيمانه التي على أثرها
صدرت بحقه براءة بابوية تعلنه وتثبته بطريرك الموصل على
الكلدان. ثم جرت رسامته الأسقفية ثم البطريركية حيث منحه
البابا درع الرئاسة، الباليوم، بنفسه وبحضور عدد من
الكرادلة والأساقفة.
وبعد فترة قضاها يوحنا سولاقا في روما يزور
معالمها وآثارها ويقيم أواصر الصداقة مع كبار شخصياتها من
رجالات الكنيسة، غادر يوحنا سولاقا والوفد المرافق له ممن
عينهم البابا، تلبية لطلب يوحنا سولاقا، لمساعدته بصفة
ممثل الكرسي الرسولي بين الكلدان في الموصل ومعاونين
آخرين. بدأت رحلة العودة في تموز سنة 1553 عن طريق البر
لتنتهي بيوحنا سولاقا ومرافقيه، في تشرين الثاني سنة
1553،إلى آمد حيث يقرر يوحنا سولاقا أن يجعلها مقرا
لكرسيّه البطريركي. وقد استقبل بحفاوة بالغة وبهجة عارمة
من قبل الأساقفة والشعب.
ما أن انقضت أفراح الأيام الأولى، حتى بدأ
يوحنا سولاقا عمله الجاد في تنظيم شؤون الكنيسة وسد حاجة
الأبرشيات لرؤساء أساقفة أختارهم يوحنا سولاقا من بين
الذين عرف فيهم الإيمان القويم والروح الإنجيلي والحكمة
والإدارة، فرفع عدد رؤساء الأساقفة في الكنيسة ثمانية من
ضمنهم الأساقفة الثلاثة الذين انتخبوه بطريركا على
الكنيسة.
ثم عمل يوحنا سولاقا مع مساعديه الموفدين
معه من روما على تثقيف الشعب وتنقية عقيدته من التعاليم
التي كانت سائدة في كنيسة المشرق وقتذاك، كما قام بإعادة
تحديد أسرار الكنيسة السبعة وتنوير الشعب بشأن بعض
المعتقدات وحول معنى رئاسة الحبر الروماني.
ثم اتجه يوحنا سولاقا إلى السلطة المدنية،
حيث سعى إلى لقاء السلطان العثماني سليمان الأول فأوضح له
آخر مجريات الأحداث في الكنيسة وطلب حماية السلطات المحلية
العليا. وقد حصل يوحنا سولاقا على أمر من السلطان موجّه
إلى جميع الأمراء والحكّام الموجودين في البلاد بألاّ
يلحقوا الأذى بالطائفة الجديدة وأن يعاملوا المنتسبين
إليها باحترام.
إلاّ أن كل ذلك لم يمر دون مشاكل، إذ أن ما
حدث في الكنيسة أزعج شمعون السادس برماما، الذي كان ينظر
إلى ما جرى في الكنيسة بكثير من الهلع والغضب، سيّما وأن
كثيرين هم الذين أقدموا على الانتماء إلى الكنيسة الناشئة،
سواء من الشعب أو الرؤساء، كما شقّه أن هذه الكنيسة حظيت
بدعم وتأييد السلطات المدنية أيضا.
وفي إطار سعيه للقضاء على هذه الحركة، رأى
برماما أن يوجه سهام غضبه ونقمته إلى البطريرك يوحنا
سولاقا، فشرع يخطط ويدبر المكائد للقضاء عليه، فاستغل
علاقته بباشا العمادية حسين بك الكردي، حيث يقع دير
الربّان هرمز، مقر الكرسي البطريركي لعائلة "بيت أبونا"،
ضمن السلطة الإدارية لولاية باشا العمادية. فقدّم برماما
الرشوة لحسين بك الكردي واستماله إلى جانبه في مسألة
محاربة البطريرك يوحنا سولاقا. وقد لبّى الباشا رغبة
برماما بأن قام باستقدام البطريرك يوحنا سولاقا بحجة دعوته
لزيارة الكلدان في منطقة العمادية. وما أن وصل البطريرك
يوحنا سولاقا، حتى ألقى جنود الباشا القبض عليه وألقوه في
السجن ليلاقي أشد العذابات الجسدية والنفسية مدة أربعة
أشهر، ثم ألقوه في بئر مدة أربيعين يوما. ولمّا عجز الجنود
عن ثني يوحنا سولاقا عن معتقده ودفعه للتنازل عن
البطريركية، أمرهم الباشا بأخذه إلى الجبال المنعزلة
القريبة وخنقه سرّا هناك. فلقي هذا البطريرك العظيم حتفه
في 12 كانون الثاني سنة 1555، وراح شهيدا لأجل إيمانه
ولأجل حركة إنقاذ الكنيسة من التدهور الذي كانت فيه. |