|
الكنيسة الكلدانية
نظرة موجزة
الفصل الأول -
جذورها التاريخية
أسس المسيح كنيسته على الأرض لتواصل عمله
الخلاصي بين البشر وتنشر بشارة الملكوت التي تولي الناس
الفرح والسلام. وامتثالا لوصية ربّنا يسوع المسيح
لتلاميذه: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (مت 19:28)، انطلق
التلاميذ، بعد أن نالوا موهبة الروح القدس وامتلئوا قوة من
العلاء، يجوبون البلدان وينادون ببشارة المسيح ويدعون
الناس إلى الإيمان به.
المسيحية في بلاد ما بين
النهرين
لا تتوفر لدينا وثائق تاريخية عن وقت دخول
المسيحية إلى بلاد ما بين النهرين، إلاّ أن كتابات آباء
الكنيسة والتقليد الكنسي تؤكد على أن بلادنا كانت من أولى
البلدان التي توجّه إليها الرسل، أو خلفاءهم الأوائل، لنشر
تعاليم المعلّم الإلهي فيها. ويرى المختصون بالتاريخ
الكنسي، استنادا إلى هذه المصادر عينها، أن المسيحية دخلت
هذه البلاد بين نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني
الذي شهد وجود جماعات مسيحية منتشرة في عموم البلاد.
أما عن مبشر بلاد ما بين النهرين، فيروي
لنا التقليد الكنسي أن توما الرسول بشّر أهل هذه الأرض
خلال مروره بها وهو في طريقة إلى الهند للتبشير فيها.
ويأتي ذكر توما الرسول بهذا الشكل بدعوى إثبات رسولية
الكنيسة في البلاد، وهو أمر جار في كل الكنائس. إلاّ أن ما
توفره المصادر، من كتابات آباء الكنيسة والتقليد الكنسي،
يساعد المختصين على أن يروا أن المسيحية دخلت إلى هذه
البلاد أولا إلى مدينة الرها (أورفا الحالية في تركيا) على
يد مار أدّي الرسول، أحد الاثنين والسبعين تلميذا، حتى أن
رئيس الكنيسة يوصف ب"الجالس على كرسي أدي الرسول". وبعد
الرها، كان لأجاي وماري، تلميذي مار أدي الرسول، الفضل
الأساس في نشر المسيحية في باقي أنحاء البلاد.
فقد توجه مار أجاي، إلى بلاد فارس وآشور
وأرمينيا والأهواز ثم توجه شرقا إلى الهند. أما مار ماري،
فقد قام بنشر البشارة في ما بين النهرين الشرقية، حيث اتجه
إلى حدياب (أربيل الحالية) ثم انحدر بمحاذاة جبال فارس إلى
بيث كرماي (وتشمل السليمانية وكركوك الحاليتين) ثم ديالى،
واتجه بعدها إلى كشكر (قرب مدينة الناصرية الحالية) ليعود
فيصعد ليؤسس كنيسة قطيسفون وساليق (وهي منطقة المدائن
الحالية) ليموت في دير قوني إلى الجنوب من المدائن، ويترك
خليفة له على كرسي قطيسفون ساليق مار فافا الأسقف الذي
سيكون له الدور الفاعل في توحيد الكنيسة في بلاد ما بين
النهرين.
تسمية الكنيسة في بلاد ما
بين النهرين
انتشرت المسيحية في بلاد ما بين النهرين
شرقي نهر الفرات في أراضي الإمبراطورية الفارسية، لتمتد
نحو الشرق حتى الصين. لذا جاءت تسمية الكنيسة في هذه
البلاد نابعة من هذه الظروف الجغرافية والسياسية، فأطلق
عليها اسم كنيسة المشرق نسبة إلى انتشارها في أرض المشرق
وشرقي الفرات، كما أطلق عليها اسم كنيسة بلاد فارس نسبة
إلى انتشارها في الأراضي الواقعة تحت الحكم الفارسي.
نشوء الجثلقة في كنيسة
المشرق
انتشرت المسيحية في بلاد ما بين النهرين،
واستقرت خلال ثلاثة قرون، من دون أن تنتظم تحت رئاسة كنسية
واحدة، بل كانت عبارة عن كنائس (جماعات مسيحية) يرأس كل
منها أسقف، وكانت هذه الجماعات ترتبط فيما بينها برابط
وحدة الإيمان والليتورجيا واللغة.
إلاّ أن قرب أسقف قطيسفون وساليق من بلاط
الإمبراطور الفارسي جعل هذا الأسقف الأكثر بين الأساقفة
المشرقيين احتكاكا بالسلطة المدنية والأكثر تمريرا للقضايا
الكنسية بين يدي الإمبراطور، سواء تلك التي تخص كنيسة
قطيسفون وساليق أو تلك التي تخص الكنائس الأخرى الشقيقة في
بلاد فارس.
ونظرا لدور أسقف قطيسفون وساليق هذا، فقد
جرت المحاولة الأولى لتوحيد كنيسة بلاد ما بين النهرين على
يد مار فافا، أسقف قطيسفون وساليق، حين لمس الخلل في
الكنيسة ورأى ضرورة تنظيمها وتنظيم الدرجات الكنسية تحت
إدارة موحدة يرأسه هو ذاته كونه أسقف قطيسفون وساليق.
أثار مخطط مار فافا هذا اعتراضات شديدة من قبل باقي
الأساقفة، واتهموا مار فافا بالتكبّر والتجبّر، وحاولوا
عقد مجمع كنسي لإقالته وتنصيب مار شمعون برصباعي، رئيس
شمامسته، أسقفا بدلا عنه، وكادوا أن يصيبوا هدفهم هذا لولا
أن مار فافا رفع القضية إلى أساقفة الغرب، وخاصة أسقف
الرها. وقد جاء تدخل أساقفة الغرب في صالح مار فافا،
فأبطلوا كل ما قُرر ضده، وتقرر أن يرأس هو كنيسة المشرق،
ينظمها ويدير شؤونها، فكان مار فافا هو أول
جاثاليق في كنيسة
المشرق
(تعود
كلمة الجاثاليق إلى أصل يوناني ويعني "العام" أو "المشرف").
وبعد أن استلم رئاسة الكنيسة، قام مار فافا
بإزالة أثار الإنشقاق الذي نشأ بسبب تصرفات معارضيه، كما
قام بإجراء عدة إصلاحات قانونية فيما يخص تقسيم الأبرشيات
وتنظيمها، إلاّ أن ثمار هذا الإصلاح لم تقطف يانعة إلاّ
بعد عشرات السنين مع مجمع مار اسحق سنة 410. بعد وفاة مار
فافا سنة 329، خلفه مار شمعون برصباعي جاثاليقا على كرسي
كنيسة المشرق، فقد ثبتت مسألة الجثلقة فيها لتواصل مسيرتها
الرسولية تحت رئاسة الجاثاليق. |